رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سوق عربية مشتركة تغير خريطة العالم وحلم عمره 28 عاماً

موانئ - أرشيفية
موانئ - أرشيفية

تتجدد المطالب من حين لآخر وعلى فترات مختلفة بتأثير من الأحداث العالمية، لإنشاء سوق عربية مشتركة، تخدم المنطقة والدول العربية دون اي تدخلات أو تأثيرات من الصراعات الخارجية، والتي تتزامن الآن مع الحرب الأمريكية الإيرانية.

المواطن العربي كان يحلم دائما بسوق واحدة تمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، تضم نصف مليار مستهلك، "حلم السوق العربية المشتركة" التي تشمل موارد نفطية وغازية هائلة، وأراضٍ زراعية شاسعة، وشباباً يشكّل أكثر من 60% من سكانها. 

أكبر كتلة اقتصادية

حلم «السوق العربي المشتركة» لو تحقق لأصبحت المنطقة العربية ثالث أكبر كتلة اقتصادية سكانية في العالم بعد الصين والهند، ولتغيّرت تماماً موازين القوى الاقتصادية العالمية.

لكن الواقع يختلف عن الحلم، فقرار السوق العربية المشتركة – الذي بدأ كـ«منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى» (GAFTA) عام 1997 – لا يزال متعثرا حتى اليوم، رغم مرور أكثر من 28 عاما. 

فما الذي يعيق أكبر سوق محتملة في التاريخ العربي الحديث؟ وكيف يمكن أن يتحول هذا الحلم إلى واقع يرفع الناتج المحلي الإجمالي العربي بنسبة تتجاوز 10-15% في غضون عقد؟


بدأت الفكرة 1997


بدأت الفكرة رسمياً في قمة الجامعة العربية عام 1997 بإطلاق «منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى» (GAFTA)، ودخلت حيز التنفيذ عام 1998 بهدف إلغاء الرسوم الجمركية تدريجياً حتى عام 2008، وشاركت فيها 18 دولة عربية من أصل 22.

 كان الهدف الوصول إلى سوق عربية مشتركة حقيقية تشمل حرية تداول السلع والخدمات ورؤوس الأموال والعمالة، ثم اتحاد جمركي موحد.. ولا يزال المجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية «يبحث تطورات» GAFTA و«مستجدات مشروع الاتحاد الجمركي العربي» دون إعلان تنفيذ كامل.

الرسوم الجمركية أُلغيت على معظم السلع الصناعية، لكن الاستثناءات الزراعية (الرزنامة الزراعية) والحواجز غير الجمركية (المعايير الفنية، الإجراءات الجمركية، الشهادات الصحية) لا تزال تحول دون التدفق الحر.


التجارة البينية لا تتجاوز 10-15%


رغم زيادة التجارة البينية بنسبة 20% بفضل GAFTA (حسب دراسات اقتصادية موثقة)، فإن نسبتها لا تزال ضعيفة جداً مقارنة بالإمكانيات، كما أن التجارة داخل الدول العربية لا تتجاوز 10-15% من إجمالي التجارة الخارجية للمنطقة، بينما تصل في الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من 60%، حتى في السعودية – أكبر اقتصاد عربي – بلغت التجارة مع الدول العربية 17.2% فقط من إجمالي تجارتها الخارجية في 2024.


من الأسباب الرئيسية للتعثر، الانقسامات والحروب في سوريا واليمن وليبيا، والتوترات الإقليمية، التي تحول دون تنسيق حقيقي، وأيضا التفاوت الاقتصادي الهائل من اقتصادات نفطية غنية في الخليج مقابل اقتصادات زراعية أو صناعية ناشئة في المغرب والمشرق.


الحواجز غير الجمركية: اختلاف المعايير، البيروقراطية، ضعف البنية التحتية المشتركة (طرق، موانئ، سكك حديدية).
غياب الإرادة السياسية: كل دولة تحمي «صناعاتها الوطنية» أو «أمنها الغذائي» باستثناءات مستمرة.


ثالثا: لو نجحت.. ماذا سيحدث؟


عدد سكان الدول العربية تجاوز 500 مليون نسمة في 2025-2026 (المرتبة الثالثة عالمياً بعد الصين والهند)، ومن المتوقع أن يصل إلى 548 مليون بحلول 2030. هذا السوق الموحد يعني:
اقتصادات الحجم: صناعات ثقيلة (سيارات، طائرات، أدوية) 
أمن غذائي: توحيد الإنتاج الزراعي بين المغرب والسودان ومصر والعراق يقلل الاستيراد من الخارج.
طاقة وتكنولوجيا: شبكة كهرباء عربية موحدة + سوق غاز ونفط داخلي يقلل الاعتماد على أوروبا وآسيا.
توظيف الشباب: حرية حركة العمالة تقلل البطالة (التي تتجاوز 15% في بعض الدول) وتنقل المهارات من الخليج إلى المغرب العربي.
زيادة الناتج المحلي: دراسات قديمة وحديثة تشير إلى مكاسب تصل إلى 10-13% من الناتج المحلي لدول مثل مصر وتونس فقط من تحرير الخدمات والتجارة.
مقارنة سريعة: الاتحاد الأوروبي بدأ كسوق مشتركة عام 1957 وأصبح قوة اقتصادية عظمى. آسيان (ASEAN) حققت نمواً هائلاً بتجارة بينية تصل إلى 25%. العرب يملكون موارد أكبر.. لكنهم يفتقرون للتنفيذ.


رابعاً: هل هناك أمل في 2026 وما بعد؟

نعم، لكن بشرطين:
تحويل GAFTA إلى اتحاد جمركي حقيقي خلال 3-5 سنوات (كما يناقش المجلس الاقتصادي حالياً).
التركيز على الخدمات والعمالة والاستثمار وليس السلع فقط – فالمكاسب الحقيقية تأتي من حرية رؤوس الأموال والعمالة.
دول مثل السعودية والإمارات والأردن ومصر بدأت تُظهر زيادة في الصادرات البينية (مثل ارتفاع الصادرات الأردنية إلى GAFTA بنسبة 16.9% في النصف الأول من 2025). لو انضم الجميع بإرادة سياسية، فإن هذا السوق سيصبح «قوة تغيّر خريطة العالم» فعلاً: منافساً لأوروبا والصين في الأسواق الناشئة، ومصدراً للطاقة الخضراء، ووجهة للاستثمار العالمي.

السوق العربي المشترك ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية في عالم يتجه نحو الكتل الاقتصادية الكبرى. القرار متعثر بسبب السياسة أكثر من الاقتصاد، لكنه قابل للإنقاذ. السؤال الوحيد: هل سيتخذ القادة العرب اليوم الخطوة التي فشلوا فيها منذ 1997؟ أم سنظل نتحدث عن «حلم 500 مليون» في كل قمة عربية قادمة؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء