مصر تقود المبادرة.. هل اقترب حلم تشكيل قوة عربية مشتركة؟|خاص
في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، عادت القاهرة لتتحرك بقوة على الساحة الدبلوماسية، محاولة إحياء فكرة تشكيل قوة عربية مشتركة تتولى مهمة حماية الأمن القومي العربي، ويعتقد عدد من المحللين أن المبادرة المصرية، التي طرحت قبل سنوات، قد تحظى هذه المرة بفرص أفضل للتنفيذ مقارنة بالماضي.
تشهد المنطقة توترا متصاعدا
تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه المنطقة توترا متصاعدا، خاصة مع استمرار المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ما يثير مخاوف متزايدة من اتساع دائرة الصراع وتأثيره على استقرار المنطقة بأكملها.

قوة عربية مشتركة ضرورة لمواجهة التحديات
أكد السفير أشرف عقل، سفير مصر الأسبق في فلسطين واليمن، أن إنشاء قوة عربية مشتركة يمثل خطوة أساسية لضمان الأمن القومي العربي، لكنها تتطلب جهودا كبيرة وتنسيقا بين جميع الدول العربية.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، أن تشكيل هذه القوة يفرض الحاجة للجلوس على طاولة حوار تشمل كل الدول العربية لتحديد مكان تواجدها، تسليحها، قيادتها، وآلية التعامل مع أي اعتداء على دولة من الدول المشاركة.
وأشار عقل إلى أن هذه القوة يجب أن تجتذب جميع الأطراف، بما في ذلك دول المشرق والمغرب العربي مثل الجزائر والمغرب، لكن تحقيق ذلك سيستغرق وقتًا طويلا، نظرا لتعقيد الحوار بين الأطراف المختلفة والحاجة إلى دراسة دقيقة لجميع التفاصيل اللوجستية والسياسية.

تحديات تشكيل القوة العربية المشتركة
أوضح السفير المصري أن هناك معوقات عديدة قد تواجه إنشاء القوة، منها التدخلات الإقليمية والدولية، حيث تسعى بعض القوى الكبرى، بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة، إلى عرقلة أي جهود عربية لتوحيد الصفوف العسكرية.
وأشار إلى أن تجربة الماضي تظهر صعوبة تنسيق هذه القوات، مثلما كان الوضع قبل حرب 1967، حيث كانت القيادة العربية المشتركة تضم شخصيات عسكرية بارزة مثل الفريق الأردني الذي ترأسها، والفريق عبد المنعم رياض. ومع ذلك، يرى عقل أن الفكرة جيدة وتستحق المحاولة رغم التعقيدات.
دور مصر في قيادة الجهود
كما أكد عقل علي أن مصر يجب أن تتصدر هذه المحاولات، مستشهدا بمبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي في 2015 لتشكيل قوة عربية مشتركة. وأوضح أن القيادة المصرية تحظى بالقدرة على توحيد المواقف السياسية وإدارة الحوار بين الدول العربية لضمان نجاح أي تحرك عسكري مشترك.
وأشار إلى أن تفاصيل القوة، مثل حجمها العسكري، أماكن تمركزها، تسليحها، وجود قوات جوية أو صواريخ، كلها مسائل تحتاج لتخطيط معمق ودراسات دقيقة قبل التنفيذ الفعلي، مؤكدا أن العملية ستستغرق وقت وجهد كبير.

المخاطر الإقليمية والدور الإسرائيلي
وحذر عقل من محاولات إسرائيل تفتيت الدول العربية وإنشاء كيان صغير مستفيدا من أي انشغال دولي بالأزمات الاقتصادية أو الحروب الإقليمية، مشيرا إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تسعيان للحد من أي قوة عربية موحدة قد تعيق مصالحهما.
وأضاف أن إسرائيل تستخدم وسائل مختلفة للضغط على الدول العربية، بما في ذلك النشاط الاستخباراتي والموساد، لكنها لن تكون قادرة على وقف الإرادة العربية إذا أصرّت على وحدة الصف وتحقيق الأمن القومي المشترك.

الحاجة لتوحيد المواقف السياسية
وشدد عقل على أن البداية يجب أن تكون بتوحيد المواقف السياسية العربية، قبل الانتقال إلى أي خطوات عسكرية فعلية، موضحاً أن الاجتماعات الأخيرة للجامعة العربية أظهرت بيانات عامة لا ترتقي لتطلعات المنطقة في ظل الأزمات الحالية.
وأشار إلى أن توحيد المواقف السياسية والعسكرية يتيح مواجهة التحديات الإقليمية بشكل أفضل، خصوصاً مع محاولات إسرائيل والولايات المتحدة استغلال أي فرصة لتقسيم العرب وإضعاف أي تحرك موحد، مؤكداً أن مصر تقع على رأس الجهود لتنسيق الصف العربي.
إرادة العرب والتحديات المستقبلية
اختتم أشرف عقل حديثه لـ"إيجبتك"، بالتأكيد على ضرورة استمرار المحاولات لإنشاء قوة عربية مشتركة رغم كل العقبات، مشيراً إلى أن الإرادة العربية الموحدة والقوة السياسية والعسكرية يمكن أن تصنع توازنًا جديدًا في المنطقة، يحد من التهديدات الإقليمية ويؤمن الأمن القومي العربي على المدى الطويل
وأكد أن الصعوبات الحالية لا تعني الاستسلام، بل تشكل حافزاً لإعادة النظر في أساليب التعاون العربي وتطوير القدرة الدفاعية المشتركة، مع مراعاة التحديات اللوجستية والدولية التي قد تواجه أي مشروع عربي طموح في هذا الإطار.

التحديات الأمنية التي تواجهها الدول العربية
من جانبه، يرى الدكتور عادل عامر رئيس مركز المصريين للبحوث والدراسات، أن فكرة إنشاء قوة عربية مشتركة ليست جديدة، موضحًا أنها طرحت سابقا خلال القمة العربية عام 2015 من قبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلا أن الظروف السياسية آنذاك لم تكن مواتية بما يكفي للحصول على دعم واسع من الدول المؤثرة في المنطقة.
وأكد عامر في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك" أن إعادة طرح المبادرة في الوقت الراهن قد تجد استجابة أكبر، خاصة بعد الضربات التي وجهتها إيران مؤخرًا لأهداف عسكرية ومدنية داخل بعض دول المنطقة، وهو ما يعكس حجم التحديات الأمنية التي باتت تواجهها الدول العربية.
التفكير بجدية في إنشاء قوة مشتركة
وأضاف عامر أن هذه التطورات قد تدفع القادة العرب إلى التفكير بجدية في إنشاء قوة مشتركة قادرة على حماية حدود دولهم والحفاظ على أمن أراضيهم ومصالحهم الاستراتيجية، خصوصا في ظل التأثيرات الاقتصادية الكبيرة الناتجة عن الأزمات الإقليمية، مثل إغلاق بعض المضائق الحيوية وتعطل حركة صادرات النفط، إلى جانب تداعيات أخرى تمس استقرار المنطقة واقتصاداتها.
يشار إلى أن وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، كان قد أجرى أمس الأربعاء، سلسلة من الاتصالات المكثفة مع عدد من الأطراف العربية والإقليمية والدولية.
وخلال هذه الاتصالات شدد على ضرورة العمل سريعًا لخفض حدة التوتر والدفع نحو مسار التهدئة، مؤكدًا في الوقت ذاته إدانة الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج والأردن والعراق.
تسير في اتجاه إيجابي
ورغم عدم صدور قرارات رسمية حتى الآن من الدول العربية بشأن تشكيل القوة المشتركة، فإن النقاشات لا تزال مستمرة بين العواصم العربية، وتشير بعض التقديرات إلى أن المناقشات تسير في اتجاه إيجابي وقد تفضي إلى خطوات عملية في الفترة المقبلة.
كان عبد العاطي قد أعلن، خلال اجتماع للحكومة يوم الثلاثاء الماضي، أن القاهرة تقود مبادرة تهدف إلى إنشاء قوة عربية مشتركة تكون مهمتها الأساسية حماية الأمن القومي العربي والتعامل مع التهديدات التي قد تواجه المنطقة.
تفعيل مفهوم الأمن العربي المشترك
كما أكد الوزير المصري في كلمته خلال الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، والذي عقد يوم الاثنين الماضي عبر تقنية "الفيديو كونفرانس"، على أهمية تفعيل مفهوم الأمن العربي المشترك وتعزيز آليات التعاون بين الدول العربية لمواجهة التحديات الحالية، مشيرا إلى أن تشكيل قوة عربية مشتركة قد يكون أحد أهم الأدوات لتحقيق هذا الهدف.