بين الأهمية الجيوسياسية وتداعيات الحرب
تقريرلـ«باستيت»: مضيق هرمز وتداعيات الحرب على إيران
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، ويقع المضيق في موقع جغرافي بالغ الحساسية بين إيران شمالاً وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة جنوباً، ويعتبر المضيق هو الممر البحري الوحيد الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان ثم بالمحيط الهندي، وتكمن أهميته في كونه بمثابة "البوابة البحرية" لدول الخليج نحو الأسواق العالمية، حيث يمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية. وفي ظل التوترات الإقليمية، خصوصًا في سياق الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، تتضاعف الأهمية الجيوسياسية للمضيق نظرًا لقدرته على التأثير المباشر في أسواق النفط والاقتصاد الدولي.
وفي هذا الإطار يأتي هذا التقرير ليسلط الضوء على الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لمضيق هرمز، وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على هذا المضيق.
أولاً: الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لمضيق هرمز:
1- الموقع الجغرافي لمضيق هرمز:
يُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الوحيد للدول المطلة على الخليج العربي، حيث يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب والمحيط الهندي، فيمثل المضيق البوابة الاستراتيجية لبعض الدول كالعراق، والكويت ،والبحرين، وقطر، ويعتبر الممر الرئيس للمملكة العربية السعودية التي تطل على الخليج من الشرق والبحر الأحمر من الغرب، وللإمارات العربية المتحدة التي تطل على الخليج العربي وخليج عُمان، وسلطنة عُمان التي تمتلك إطلالة مزدوجة على الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب، إضافة إلى إيران التي تطل على هذه المسطحات البحرية الثلاثة.
وتوضح الخريطة التالية موقع مضيق هرمز جغرافيا:

2- الأهمية الاقتصادية لمضيق هرمز:
يعد مضيق هرمز شريانًا استراتيجيًا بالغ الأهمية في الاقتصاد العالمي، حيث ينقل عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يعادل 20–25% من الاستهلاك العالمي. ليس هذا فحسب بل تعتمد دول الخليج على هذا الممر لتصدير الطاقة التي تشكل المصدر الرئيس لتمويل ميزانياتها الوطنية، بينما تعتمد الاقتصادات الصناعية الكبرى مثل الصين والهند واليابان على تدفق الطاقة عبره لتلبية احتياجاتها الصناعية. كما يعد المضيق طريقًا رئيسًا لتجارة الغاز الطبيعي المسال، خاصة من قطر، ويمثل حلقة وصل مركزية في منظومة الشحن البحري العالمية.
ويوضح الشكل رقم(2) حجم النفط الخام ومشتقاته التي تنقل من خلال مضيق هرمز حسب الدول المنتجة والدول المستوردة له.

Data source: U.S. Energy Information Administration analysis based on Vortexa tanker tracking
Note: 1Q25=first quarter of 2025.
ومن خلال هذا الشكل، ووفقا لبيانات وكالة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) يقدر أن 84% من النفط الخام والمكثفات و83% من الغاز الطبيعي المسال التي عبرت مضيق هرمز ذهبت إلى الأسواق الأسيوية في عام 2024، وكانت الصين والهند وكوريا الجنوبية أكثر الوجهات الرئيسية للنفط الخام المتجه عبر مضيق هرمز إلى آسيا.
وفي هذا السياق تبرز الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز متمثلة في حجم التجارة الدولية المارة عبره؛ فوفقًا لتقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) لعام 2025 يمر نحو 11% من التجارة العالمية، بما يشمل نحو 34% من صادرات النفط المنقولة بحرا و30% من صادرات الغاز الطبيعي المسال، ويحتل مضيق هرمز أهمية بالغة في مجال الخدمات اللوجستية، إذ تظل البدائل العملية لتصدير منتجات الطاقة محدودة جدا وهو ما يجعله عنصراً محورياً في سلاسل الإمداد الطاقة العالمية، ونقطة ارتكاز في التوازنات الجيوسياسية والاقتصادية الدولية.
ثانيًا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على مضيق هرمز:
1- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران :
قامت الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل بعملية عسكرية واسعة بدأت في 28 فبراير 2026ضد إيران، ففي الساعات الأولى للعملية تم اغتيال المرشد العام الإيراني وعدد من كبار قادة الدولة، وبدا أن الهدف الأساسي لهذه العملية يتمثل في إحداث صدمة عميقة داخل بنية النظام السياسي والأمني الإيراني. وتندرج هذه الضربة في إطار محاولة إضعاف تماسك مؤسسات الحكم وتهيئة بيئة سياسية واجتماعية قد تسمح بإسقاط النظام من الداخل، في حال لم تنجح الحملة الجوية في إجباره على الاستسلام والقبول بالشروط الأمريكية–الإسرائيلية المتعلقة ببرنامجه النووي، وبرنامج الصواريخ الباليستية.
في المقابل، جاء رد طهران سريعاً وحاداً، إذ اتجهت إلى استهداف مواقع داخل إسرائيل، إلى جانب ضرب أهداف في بعض الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة. ويعكس هذا الرد ملامح الاستراتيجية الإيرانية في الردع، والتي تقوم على توسيع نطاق الصراع جغرافياً وعدم حصره داخل الحدود الإيرانية. فمن خلال نقل المواجهة إلى ساحات إقليمية متعددة، تسعى إيران إلى ربط أمن الخليج العربي وأمن الملاحة في مضيق هرمز مباشرة باستقرارها الداخلي. كما أن استهداف دول عربية مجاورة يحمل رسالة ضغط إقليمي موجهة إلى واشنطن وحلفائها، مفادها أن أي مواجهة عسكرية مع إيران ستتجاوز الإطار الثنائي لتتحول إلى أزمة إقليمية واسعة.
ولا يقتصر دور المضيق على كونه ممراً ملاحياً لنقل النفط والغاز، بل ارتبط تاريخياً بالصراعات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، وتحول منذ ثمانينيات القرن العشرين إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح والصراعات الإقليمية والدولية، ويعتبر ورقة ضغط مؤثرة في حسابات القوى الكبرى. إن هذا التداخل بين البعد الاقتصادي والبعد الأمني يجعل من مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل فضاءً استراتيجياً تتحدد من خلاله موازين القوة في الخليج العربي، وتنعكس تداعياته على استقرار النظام الدولي بأسره، ومن ثم فإن الحرب الأمريكية على ايران سوف تهدد أمن إمدادات الطاقة العالمية عبر المضيق، وتزيد من احتمالات انزلاق المنطقة إلى أزمات اقتصادية وأمنية ممتدة، بما يعزز هشاشة سلاسل الإمداد العالمية ويؤكد أن المضيق يظل محوراً أساسياً في معادلة الأمن الدولي. ولا يقتصر دور المضيق على كونه ممراً ملاحياً لنقل النفط والغاز.
2- تهديدات إيران بغلق مضيق هرمز والتصريحات الأمريكية المتضاربة حول هذه التهديدات :
تمثل التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز أحد أبرز أدوات الضغط الاستراتيجي التي تستخدمها إيران في إدارة الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فالمضيق لا يُعد مجرد ممر بحري إقليمي، بل يمثل أهم نقاط الاختناق في منظومة الطاقة العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز الخليجي نحو الأسواق الدولية كما سلف الذكر. ومن ثم فإن التلويح بإغلاقه يعكس محاولة إيرانية لنقل المواجهة من إطارها العسكري المباشر إلى مستوى أوسع يمس الأمن الاقتصادي العالمي، بما يضاعف كلفة أي عمل عسكري ضدها ويضع القوى الكبرى أمام معادلة أكثر تعقيداً.
3- تضارب تصريحات الرئيس ترامب حول الملاحة في المضيق:
في قراءة أولية لتصريحات الرئيس ترامب حول الملاحة في مضيق هرمز وعبور السفن، اتسمت هذه التصريحات بتناقض واضح بين لغة التصعيد القصوى ولغة الطمأنة للأسواق العالمية، ففي بداية الحرب صرح الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة "في وضع جيد للغاية" وأنها ستواصل مراقبة المضيق، داعياً شركات النفط إلى الاستمرار في استخدامه وكأنه يريد إظهار أن الأزمة تحت السيطرة. ولكن لم تتمكن السفن مع الإبحار عبر المضيق، وهو ما جعل الرئيس ترامب يصرح بأن الإدارة الأمريكية عمدت على تدمير البحرية الإيرانية عندما لوحت إيران بإغلاق مضيق هرمز، ففي تصريحات نقلتها نيويورك تايمز، قال الرئيس ترامب إنه يريد "تدمير البحرية الإيرانية إذا حاولت تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، والجدير بالذكر أن المسؤولين الإيرانيين أكدوا على عدم إغلاق إيران لمضيق هرمز، بل إنه مغلق بسبب الحرب التي افتعلتها واشنطن و"إسرائيل" في المنطقة ، حيث لا تجرؤ السفن على العبور، وعلى الرغم من الرئيس ترامب أعلن بأن قوات البحرية الأمريكية سترافق السفن العابرة للمضيق ويتقوم بتأمينها إلا أن لم يرصد أن البحرية الأمريكية رافقت أي سفينة للعبور عبر المضيق وهذا على الرغم من إلا أن الجانب الإيراني أكد على "عدم تراجع إيران أمام التهديدات" وأنها قادرة على "الرد بشكل مباشر على أي محاولة لفرض السيطرة على المضيق".
وفي السياق ذاته أكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أن واشنطن تعتبر حماية ناقلات النفط في المضيق واجبًا أساسيًا للجيش الأمريكي، إلا أن هذا لم يحدث على أرض الواقع، فهناك تصريحات أشارت أن البحرية الأمريكية رفضت بالفعل تقديم الحماية المطلوبة للسفن، معتبرةً أن مستوى الخطر مرتفع جدًا.
وعلى الصعيد الإيراني، أصدر الجانب الإيراني بيانًا أعلن فيه شروطًا سياسية مشروطة لسماح السفن بالمرور عبر مضيق هرمز، إذ قال إن السفن التابعة لدول عربية أو أوروبية لن تُمنح حق المرور إلا إذا قامت تلك الدول بطرد سفراء الولايات المتحدة وإسرائيل من أراضيها. هذا الإعلان يعكس موقفًا تصادميًا من إيران يربط حرية الملاحة بسياسات الدول تجاه الولايات المتحدة واسرائيل، وهو ما يُعد خطوة سياسية استفزازية في سياق الصراع الحالي.
وهو الأمر الذي جعل الرئيس ترامب يستخدم خطاباً شديد اللهجة، فاستخدم لغة تصعيدية واضحة: "الموت والنار والغضب سيحل عليهم، لكني آمل ألا يحدث ذلك"، في إشارة إلى أن الولايات المتحدة لن تتردد في استخدام القوة إذا تعرضت الملاحة للخطر. أيضا وجه الرئيس ترامب تحذيراً شديد اللهجة إلى القيادة الإيرانية، مهدداً بتداعيات عسكرية واسعة النطاق في حال الإقدام على وضع ألغام بحرية في مضيق هرمز. وجاءت تصريحات ترامب عبر منصته 'تروث سوشال'، حيث أكد أن أي محاولة لعرقلة الملاحة ستواجه برد فعل أمريكي لم تشهده المنطقة من قبل.
هذا التباين يعكس أسلوب الرئيس ترامب السياسي الذي يجمع بين التهديد العسكري المباشر والرسائل الموجهة للأسواق والحلفاء، لكنه يثير أيضاً تساؤلات حول مدى اتساق السياسة الأميركية في التعامل مع مضيق هرمز: هل هي سياسة ردع قصوى أم إدارة أزمة محسوبة؟ بهذا المعنى، فتضارب تصريحاته يكشف عن محاولة الجمع بين الردع والطمأنة في آن واحد، وهو ما قد يضعف الرسالة الاستراتيجية ويزيد من حالة الغموض لدى الخصوم والحلفاء على حد سواء.
الخاتمة:
وختامًا تتجلى الأهمية الاستراتيجية لـمضيق هرمز في كونه ممرًا رئيسيًا لنقل نسبة كبيرة من النفط من دول الخليج إلى الأسواق العالمية، مما يجعله عنصرًا أساسيًا في استقرار أسواق الطاقة. لذلك فإن ضمان أمن الملاحة فيه يعد أمرًا ضروريًا لاستمرار تدفق الإمدادات وتجنب تقلبات أسعار النفط عالميًا. وقد أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى تعطيل حركة ناقلات النفط وتراجع تدفقات الشحن عبر المضيق إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات، خاصة وأن هذا الممر يمر عبره ما يقرب من 20% من تجارة النفط العالمية يوميًا، وقد انعكس ذلك سريعًا على الأسواق في صورة تقلبات وارتفاعات في أسعار النفط مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة. وفي محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة والحد من الضغوط على السوق، اتجهت الدول الصناعية بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية إلى استخدام المخزونات النفطية الاستراتيجية عبر ضخ كميات من الاحتياطي العالمي، وذلك بهدف تعويض جزء من النقص المؤقت في الإمدادات واستعادة قدر من الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية. كما يُطرح في هذا السياق خيار التفكير في تخفيف أو رفع بعض العقوبات المفروضة على روسيا باعتبارها من كبار مصدري الطاقة، وذلك لتوسيع قاعدة الإمدادات العالمية وتقليل الضغط على المضيق. ومن ثم، فإن الحفاظ على أمن هرمز وتبني حلول بديلة، سواء عبر المخزون الاستراتيجي أو إعادة دمج روسيا في الأسواق، يمثلان ضرورة استراتيجية لضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية.