صفقة جوجل وويز.. كيف ستتغير خارطة الصراع السيبراني في الشرق الأوسط؟
أتمت شركة جوجل أكبر عملية استحواذ في تاريخها عبر شراء شركة الأمن السيبراني الإسرائيلية ويز مقابل 32 مليار دولار نقدًا، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز قدرات الشركة في الأمن السحابي والذكاء الاصطناعي.
الصفقة، التي حصلت على الموافقات التنظيمية في الولايات المتحدة وأوروبا، تُعد أيضًا أكبر عملية خروج لشركة تكنولوجيا إسرائيلية منذ تأسيسها، وتأتي في وقت تشهد فيه المنطقة توترات إقليمية بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، ما يضيف بعدًا أمنيًا وجيوسياسيًا للصفقة.
حول شركة ويز وأهداف الاستحواذ
تأسست شركة ويز عام 2020 على يد أربعة رواد أعمال هم أساف رابابورت ويينون كوستيكا وروي ريزنيك وأمي لوتواك، وجميعهم كانوا مؤسسين سابقين لشركة أدالوم التي استحوذت عليها مايكروسوفت.
يقع المقر الرئيسي للشركة في نيويورك، بينما يتمركز فريقها الهندسي في تل أبيب، لتصبح ويز منصة رائدة في الأمن السيبراني متعدد السحابات، توفر حلولًا لتحليل البنية التحتية الرقمية عبر منصات مختلفة لاكتشاف الثغرات الأمنية ومنع الاختراقات.
سريعًا، أصبحت ويز من أسرع شركات الأمن السيبراني نموًا عالميًا، محققة إيرادات سنوية متكررة بمئات الملايين من الدولارات، وجذبت قاعدة عملاء كبيرة تضم شركات كبرى متعددة الجنسيات.
تهدف شركة جوجل من هذه الصفقة إلى:
بناء منصة أمنية متكاملة قادرة على حماية الأنظمة الرقمية المعقدة التي تعتمد على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، وتعزيز موقع وحدتها السحابية في سوق الحوسبة السحابية العالمي المتنافس بشدة، خصوصًا أمام منافسين كبار.
بجانب تسريع استراتيجيات الذكاء الاصطناعي عبر دمج تقنيات ويز مع أدوات الأمن الخاصة بالشركة، لتحسين كشف التهديدات السيبرانية والاستجابة لها بسرعة أكبر.
مسار الصفقة من الرفض إلى الإتمام
لم يكن الطريق نحو الاستحواذ مباشرًا؛ ففي يوليو 2024 رفضت ويز عرضًا أوليًا من شركة جوجل قيمته 23 مليار دولار، مفضلة التفكير في طرح عام أولي في البورصة.
لكن ضعف سوق الاكتتابات العامة، إلى جانب عودة نشاط صفقات الدمج والاستحواذ في قطاع التكنولوجيا، أعاد المفاوضات إلى الواجهة، لتعلن شركة جوجل في مارس 2025 عن اتفاق نهائي بقيمة 32 مليار دولار نقدًا، شملت بندًا بقيمة 3.2 مليار دولار كرسوم إنهاء محتملة في حال وجود أي عوائق تنظيمية.
وفي فبراير 2026، حصلت الصفقة على موافقة غير مشروطة من المفوضية الأوروبية، التي أكدت أن الاستحواذ لن يضر بالمنافسة في سوق الأمن السيبراني أو الحوسبة السحابية. وبذلك انضمت ويز رسميًا إلى وحدة الحوسبة السحابية التابعة لشركة جوجل.
آلية عمل ويز داخل شركة جوجل
رغم الاستحواذ، ستظل ويز تعمل كمنصة متعددة السحابات، مما يعني استمرار تقديم خدماتها للعملاء الذين يستخدمون منصات منافسة. هذا القرار استراتيجي لتجنب المخاوف التنظيمية والمحافظة على قاعدة عملائها الواسعة، في الوقت نفسه الذي سيتم فيه دمج تقنيات ويز مع أدوات الشركة لتعزيز منصة أمنية موحدة قادرة على اكتشاف التهديدات السيبرانية ومعالجتها بسرعة أكبر.
ويؤكد محللو الصناعة أن الاستحواذ يعكس تحولًا استراتيجيًا في قطاع التكنولوجيا العالمي، حيث أصبح الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي محور الاستثمارات الكبرى للشركات العملاقة، بينما تسعى شركة جوجل لتعزيز موقعها في سوق الحوسبة السحابية الذي لا يزال يتأخر فيه عن منافسيه الرئيسيين، رغم النمو السريع لوحدة الحوسبة السحابية في السنوات الأخيرة.
تداعيات الصفقة على سوق التكنولوجيا
إعادة تشكيل المنافسة في الأمن السحابي: مع إدماج قدرات ويز في البنية التحتية للشركة، ستكون شركة جوجل قادرة على تقديم خدمات أكثر تطورًا في كشف التهديدات السيبرانية، مما يرفع مستوى التنافسية في سوق الحوسبة السحابية.
الاستمرار في تقديم خدمات متعددة السحابات: الحفاظ على عمل ويز مع عملاء المنصات المنافسة يقلل المخاوف التنظيمية ويضمن استمرار الإيرادات.
تسريع دمج الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني: يوفر دمج ويز مع وحدة الحوسبة السحابية أدوات أفضل للتحليل الأمني واستخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالتهديدات وحماية البيانات الحساسة.
دفع شركات التكنولوجيا الأخرى للاستثمار في الأمن السيبراني: خاصة في ظل السباق العالمي لحماية البيانات والبنية التحتية الرقمية.
تداعيات الصفقة على الشرق الأوسط
الأبعاد الأمنية: ويز أسست على خبرات خريجي الوحدة 8200 الإسرائيلية، وحدة الاستخبارات السيبرانية، مما قد يثير مخاوف بشأن نقل التكنولوجيا الأمنية الحساسة لمليارات المستخدمين عبر وحدة الحوسبة السحابية التابعة لشركة جوجل.
بيانات المستخدمين: اعتماد المؤسسات والشركات في الشرق الأوسط على خدمات شركة جوجل السحابية قد يجعل بياناتها أكثر تعرضًا لمخاطر الأمن السيبراني المرتبطة بالأنظمة الإسرائيلية.
التنافس الإقليمي في التكنولوجيا: قد تدفع الصفقة شركات التكنولوجيا الإقليمية إلى تعزيز استثماراتها في الأمن السيبراني لتقليل الاعتماد على خدمات أمريكية وإسرائيلية.
البعد الجيوسياسي: في ظل الصراعات الإقليمية، قد ينظر للصفقة على أنها تعزيز للوجود الرقمي الإسرائيلي في المنطقة، مما يثير القلق لبعض الدول بشأن الأمن الرقمي والسيادة التكنولوجية.
صفقة استحواذ شركة جوجل على ويز تمثل خطوة استراتيجية كبرى لتعزيز الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، مع تداعيات واضحة على سوق الحوسبة السحابية العالمي.
لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات أمنية وجيوسياسية في الشرق الأوسط، خصوصًا بسبب خلفية ويز الإسرائيلية وخبرتها الاستخباراتية، وهو ما قد يحفز الدول الإقليمية لتعزيز جهودها في الأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية المستقلة.
الصفقة تجمع بين الأبعاد التقنية، الاقتصادية، والجيوسياسية، لتصبح واحدة من أكثر الصفقات حساسية وتأثيرًا في قطاع التكنولوجيا والأمن السيبراني العالمي.