بين التصعيد وصوت العقل.. كيف تقود القاهرة حراكاً إقليمياً لنزع فتيل الحرب؟
في وقت تدخل فيه المنطقة مرحلة حرجة من التصعيد العسكري الإيراني على الدول العربية، والذي أعقب الغارات الأمريكية والإسرائيلية على العمق الإيراني في 28 فبرايرالماضي، تقود القاهرة جهوداً دبلوماسية مكثفة وغير مسبوقة في محاولة لمنع انزلاق الشرق الأوسط إلى فوضى شاملة.
مرحلة الصراع مفتوح

يعيش الإقليم منذ أسبوعين حالة من الاضطراب الأمني غير المسبوق، فبعد الضربات التي استهدفت مواقع استراتيجية في طهران وأصفهان ومدن إيرانية أخرى، ردت طهران بسلسلة من الهجمات الصاروخية وبطائرات مسيرة استهدفت قواعد أمريكية في عدد من دول الخليج، بالإضافة إلى تحركات عسكرية طالت الأردن ودولاً أخرى، مما أثار مخاوف دولية من تحول الحرب إلى "صراع إقليمي شامل".
الدور المصري: وسيط "توازن وتنبيه"
تتحرك الدبلوماسية المصرية، بتوجيهات مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفق رؤية تهدف إلى منع توسع الصراع وحماية السيادة العربية.
وتتلخص ملامح التحرك المصري في:
الدبلوماسية الهاتفية المكثفة
أجرى وزير الخارجية المصري، الدكتور بدر عبد العاطي، سلسلة اتصالات رفيعة المستوى شملت نظيره الإيراني عباس عراقجي، وعدداً من وزراء الخارجية العرب (الأردن والبحرين)، ومسؤولين دوليين.
فمثلا اليوم جرت اتصالات هاتفية بين الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، وكل من محمد بن عبد الرحمن آل ثاني وزير خارجية قطر، وعبد الله بن زايد آل نهيان وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة، والدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني وزير خارجية البحرين، وبدر بن حمد البوسعيدي وزير خارجية سلطنة عُمان، ويوهان فاديفول وزير خارجية ألمانيا، وذلك لبحث التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة.
وأكد الوزير عبد العاطي خلال الاتصالات إدانة مصر لـ الاعتداءات الأخيرة، وفي مقدمتها الهجوم الذي استهدف ميناء صلالة بسلطنة عمان الشقيقة، فضلاً عن الاعتداءات التي طالت دولة قطر الشقيقة ومنطقة الخليج العربي بشكل عام.
وأعرب في الوقت نفسه عن رفض مصر الكامل لاستمرار الاعتداءات الإيرانية، ومؤكداً ضرورة وضع حد فوري لتلك التصرفات التي تنتهك بشكل سافر قواعد القانون الدولي وتهدد استقرار الإقليم، مطالباً بالالتزام الكامل بسياسة حسن الجوار واحترام سيادة الدول الخليجية الشقيقة.
خارطة طريق مصرية

وتأتي هذه الاتصالات في سياق "خارطة طريق" مصرية للتهدئة تقوم على احترام مبادئ حسن الجوار وسيادة الدول.
ثوابت الموقف المصري:
أكدت القاهرة في بياناتها الرسمية رفضها القاطع للاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دولاً عربية، مشددة على أن أمن الدول العربية الشقيقة هو خط أحمر.
وفي الوقت ذاته، تحذر مصر بانتظام من أن استمرار الحل العسكري سيؤدي إلى تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي وأمن الملاحة، خاصة بعد التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز.
التحذير من "سيناريو الفوضى": دأبت مصر على التنبيه، عبر مختلف المحافل، من أن التصعيد الحالي سيفتح الباب لمخاطر لا يمكن السيطرة عليها، مشددة على أن "المسار الدبلوماسي" هو السبيل الوحيد لتجنيب شعوب المنطقة ويلات حرب استنزاف طويلة الأمد.
استراتيجية "الحوائط الدفاعية"
يرى محللون سياسيون أن مصر، بصفتها قوة إقليمية محورية، اعتمدت في هذه الأزمة استراتيجية "الحوائط الدفاعية"؛ فهي من ناحية تدعم أمن واستقرار جيرانها العرب عسكرياً وسياسياً، ومن ناحية أخرى تفتح قنوات اتصال مع كافة الأطراف- بما في ذلك الطرف الإيراني- لتوصيل رسائل تحذير واضحة بأن استمرار استهداف دول الجوار لن يمر دون عواقب، وأن "إدارة الأزمات" بالدبلوماسية هي الخيار الأكثر عقلانية في ظل التوتر الراهن.
آفاق المرحلة المقبلة
مع استمرار الغارات وتجدد الاشتباكات، يبدو أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق، وبينما تضغط أطراف دولية لتصعيد عسكري لإنهاء قدرات إيران الصاروخية، تراهن مصر على الوقت والمفاوضات لتفكيك عقد الأزمة، مؤكدة أن أي "شرق أوسط جديد" لا بد أن يُبنى على التفاهمات السياسية وليس على أنقاض العواصم.
تظل الأيام القادمة حاسمة؛ فإما أن تنجح المساعي الدبلوماسية المصرية - بالتعاون مع شركاء إقليميين - في فرض هدنة تسبق الانهيار الشامل، أو أن تنجرف المنطقة إلى مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة.