رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين إيران وإسرائيل: هكذا أصبح الدين لاعبًا رئيسيًا في القرار الأمريكي؟

قساوية يصلون من أجل
قساوية يصلون من أجل ترامب

لم يكن مشهد القساوسة ورجال الدين المسيحي وهم يلتفون حول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويصلون من أجله في مكتبه بالبيت الأبيض، للصلاة من أجله ومن أجل القوات المسلحة الأمريكية في حربها ضد إيران، مشهدًا عابرًا، لكنه جزء أصيل من السياسات الأمريكية في ظل هيمنة المسيحية الانجيلية على سياسات القرار الأمريكي وتوجيه نحو النبوءات التوراتية، في ظل إيمان اتباعها بأن ترامب مرسل من الله، وأنه "المسيح المنتظر".

ومنذ صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة عام 2017، برزت ظاهرة لافتة في دوائر صنع القرار في واشنطن، تمثلت في النفوذ الواسع لتيار ديني محافظ يُعرف بالتيار الإنجيلي، أو ما يُسمى في الأدبيات السياسية بـ"المسيحية الصهيونية". وقد شكل هذا التيار أحد أهم مصادر الدعم السياسي لترامب في الداخل الأمريكي، وفي الوقت ذاته لعب دورًا مؤثرًا في رسم توجهات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه قضايا الشرق الأوسط، وخاصة العلاقة معإسرائيل.

ولم يكن الأمر مجرد تعاطف سياسي عابر، بل يعكس منظومة فكرية ولاهوتية متكاملة ترى في قيام دولة إسرائيل وتحقيق توسعها الجغرافي جزءًا من نبوءات دينية مرتبطة بنهاية الزمان وعودة المسيح، ولذلك فإن دراسة علاقة المستشارين الإنجيليين بترامب تفتح الباب لفهم أعمق لطبيعة التداخل بين الدين والسياسة في الولايات المتحدة، وتأثير ذلك على التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

فلا يمكن تجاهل أداء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو برفقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طقوسًا يهودية عند حائط البراق في القدس المحتل في منتصف سبتمبر الماضي، وتصريح السفير الأمريكي المعين لدى إسرائيل مايك هاكابي، في فبراير 2025، من أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسعى لتحقيق "شيء ذي أبعاد توراتية" في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك تصريحات وزير الخارجية الأمريكي السابق، أنتوني بلينكن  عقب عملية "طوفان الأقصى" مباشرة، وأنه لم يأتِ لإسرائيل كونه وزيرا لخارجية الولايات المتحدة فقط؛ ولكن بصفته "يهوديا"، وأن إدارة الامريكية تعمل لتلبية احتياجات إسرائيل الدفاعية.

ماركو روبيو أمام حائط المبكى
ماركو روبيو أمام حائط المبكى

أولًا: من هم الإنجيليون في السياسة الأمريكية؟

يشكل الإنجيليون،أحد أكبر التيارات الدينية في الولايات المتحدة، ويُقدَّر عددهم بنحو ربع المجتمع الأمريكي، ويتميز هذا التيار بتفسير حرفي للنصوص الإنجيلية، خاصة تلك المتعلقة بنبوءات العهد القديم حول أرض الميعاد وعودة المسيح، ومع نهاية القرن العشرين، بدأ هذا التيار يتحول من مجرد حركة دينية إلى قوة سياسية منظمة، خاصة داخل الحزب الجمهوري. وقد تعزز هذا النفوذ خلال إدارات متعاقبة، لكنه بلغ ذروته في عهد إدارة الرئيس ترامب التي اعتمدت بشكل واضح على دعم القاعدة الإنجيلية.

وقد اعتمد الرئيس دونالد ترامب على مجموعة من الشخصيات الدينية والسياسية كمستشارين روحيين أو "آباء روحيين" خلال مسيرته السياسية، من أبرزهم،  Mike Pence))، نائب الرئيس الأمريكي السابق وأحد أبرز الوجوه الإنجيلية في السياسة الأمريكية، و(Mike Pompeo)، وزير الخارجية السابق، الذي عُرف بتصريحاته الدينية حول دور إسرائيل في النبوءات التوراتية. و(John Hagee) القس الأمريكي مؤسس منظمة "المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل" (Christians United for Israel)، والتي تعد أكبر جماعة ضغط مسيحية داعمة لإسرائيل، وتشكل هذه الشخصيات وغيرها ما يمكن وصفه بـ"اللوبي الديني المسيحي" داخل الإدارة الأمريكية.

وباولا وايت-كين   (Paula White-Cain)، وتعد المستشارة الروحية الأكثر قربًا من ترامب، حيث تشرف على علاقاته مع الأوساط الإنجيلية وتدير مكتب البيت الأبيض للشراكات الدينية والمجتمعية، وتصف ترامب بأنه "يد الله" في السلطة وتعتبر دعمه واجبًا دينيًا.

ومارك بيرنز (Mark Burns) ، القس الإنجيلي البارز، والذي يعد أحد المستشارين الروحيين لترامب، ولعب دورًا نشطًا في الدفاع عن سياساته، خاصة بعد زيارته لأوكرانيا في عام 2025، ولانس والناو (Lance Wallnau)  ويعتبر شخصية قيادية في حركة "الإصلاح الرسولي الجديد"، وكان من أوائل من تنبأوا برئاسة ترامب ووصفه بـ"كورش الحديث"، وروبرت موريس (Robert Morris) ، وكان مستشارًا روحيًا سابقًا لترامب قبل استقالته في عام 2024 عقب اتهامات واعترافات تتعلق باعتداءات جنسية قديمة، وستيف بانون (Steve Bannon): رغم كونه مستشارًا سياسيًا، يُشار إليه غالبًا في الأوساط الإعلامية والسياسية بلقب "الأب الروحي" لترامب نظرًا لتأثيره العميق على أيديولوجية "أمريكا أولاً". 

تجدر الإشارة إلى أن ترامب عزز هذه الروابط في ولايته الثانية (التي بدأت في يناير 2025) من خلال إنشاء مكتب البيت الأبيض للشؤون الدينية لدعم الكيانات الدينية وحماية الحرية الدينية.

ترامب مع رموز اليمين المتطرف في إسرائيل
ترامب مع رموز اليمين المتطرف في إسرائيل

ثانيًا: مفهوم المسيحية الصهيونية

تقوم المسيحية الصهيونية على مجموعة من الأفكار اللاهوتية التي نشأت في القرن التاسع عشر داخل التيارات البروتستانتية، خصوصًا في بريطانيا والولايات المتحدة، ويتمحور هذا الفكر حول عدة معتقدات رئيسية، تتمثل في اعتبار قيام دولة إسرائيل تحقيقًا لنبوءة توراتية، وضرورة دعم اليهود سياسيًا في فلسطين باعتبارهم شعب الله المختار، والاعتقاد بأن عودة اليهود إلى الأرض المقدسة تمهد لعودة المسيح، وبذلك فإن دعم إسرائيل في هذه الرؤية ليس مجرد موقف سياسي، بل واجب ديني.

وهذا ما يفسر الحماس الكبير الذي أبداه الإنجيليون الأمريكيون تجاه قرارات إدارة ترامب المتعلقة بإسرائيل، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس عام 2018، والاعتراف بالمدينة عاصمة لإسرائيل، ودعم ضم أجزاء من الضفة الغربية، وهذه السياسات لم تكن فقط استجابة لضغط اللوبي الإسرائيلي التقليدي، بل أيضًا نتيجة لضغط القاعدة الإنجيلية داخل الولايات المتحدة.

ثالثاً: الصهيونية العالمية

رغم الاختلافات العقائدية بين اليهودية والمسيحية الإنجيلية، فإن الطرفين وجدا أرضية مشتركة في دعم المشروع الصهيوني، فالتيار الإنجيلي يرى في قيام إسرائيل خطوة ضرورية لتحقيق النبوءات الدينية، بينما ترى الحركة الصهيونية في هذا الدعم وسيلة استراتيجية لتعزيز شرعيتها الدولية.

ومن هنا نشأ تحالف سياسي وثقافي بين الطرفين يقوم على عدة مرتكزات تتمثل في الدعم السياسي لإسرائيل داخل الكونجرس الأمريكي، وتوفير غطاء ديني للسياسات الإسرائيلية، وتعبئة الرأي العام الأمريكي لصالح إسرائيل، وقد أصبحت منظمات مثل "المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل"  قوة ضغط مؤثرة داخل السياسة الأمريكية، حيث تنظم مؤتمرات سنوية يشارك فيها آلاف السياسيين والنشطاء.

رابعًا: انعكاسات هذا التحالف على الشرق الأوسط

أدى صعود النفوذ الإنجيلي في واشنطن إلى تغييرات ملموسة في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.

1) تكريس الانحياز الكامل لإسرائيل

خلال إدارة الرئيس ترامب تحولت السياسة الأمريكية من دور الوسيط في الصراع العربي الإسرائيلي إلى طرف منحاز بشكل واضح لإسرائيل، وقد تجلى ذلك في الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، ودعم توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وطرح خطة "صفقة القرن"، وهذه السياسات اعتبرها كثير من الباحثين انعكاسًا مباشرًا لنفوذ التيار الإنجيلي داخل الإدارة الأمريكية.

2) إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية

أسهمت السياسات الأمريكية الجديدة في دفع عدد من الدول العربية إلى مسار التطبيع مع إسرائيل، وهو ما تجسد في اتفاقيات السلام التي عُرفت باسم اتفاقيات إبراهيم، وقد روج الإنجيليون لهذه الاتفاقيات باعتبارها خطوة نحو "السلام التوراتي"، بينما رآها محللون سياسيون جزءًا من استراتيجية إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

3) توظيف الدين في الصراع الجيوسياسي

يعد أحد أخطر آثار هذا التحالف هو إدخال البعد الديني بشكل أعمق في الصراع السياسي في المنطقة، فبدلاً من التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي كقضية سياسية أو قانونية، أصبح يُقدم في بعض الخطابات الإنجيلية باعتباره صراعًا ذا أبعاد لاهوتية، وهذا التصور يعقّد فرص التسوية، لأنه يحول النزاع من قضية حدود وحقوق إلى قضية عقائدية.

ترامب أمام حائئط المبكى في إسرائيل
ترامب أمام حائئط المبكى في إسرائيل

خامسًا: البعد العقائدي في رؤية الإنجيليين لإيران

ينتمي عدد من أبرز حلفاء ترامب إلى التيار الإنجيلي المحافظ، والذي يتبنى تفسيرًا لاهوتيًا للصراعات في الشرق الأوسط مستندًا إلى بعض النبوءات التوراتية المتعلقة بما يُسمى في الفكر الإنجيلي بـ "معركة نهاية الزمان"، وتقوم هذه الرؤية على اعتبار أن إسرائيل محورًا دينيًا في الخطة الإلهية، وأن القوى المعادية لها – وفي مقدمتها إيران – كجزء من تحالف قوى الشر في تلك النبوءات، وقد ظهرت هذه الخلفية بوضوح في تصريحاتوزير الخارجية السابق، مايك بومبيو، عندما أشار في أحد خطاباته إلى أن الأحداث في الشرق الأوسط قد تكون مرتبطة بتحقيق نبوءات دينية.

 ومن هنا يرى التيار الإنجيلي أن مواجهة إيران تمثل جزءًا من حماية إسرائيل ودعمها، وهو ما يتوافق مع عقيدتهم الدينية التي تعتبر الدفاع عن إسرائيل واجبًا دينيًا، ومن ثم المواجهة الأمريكية مع إيران ليست مجرد صراع جيوسياسي تقليدي، بل صراع قائم على خلفيات فكرية ودينية، إذ أن التحالف بين الإنجيليين الأمريكيين والمشروع الصهيوني جعل أمن تل أبيب محورًا أساسيًا في الاستراتيجية الأمريكية، وهو ما أدى إلى تصعيد المواجهة مع إيران باعتبارها التهديد الإقليمي الأكبر لإسرائيل الكبرى.

سادسًا: رؤية نقدية للدور الإنجيلي

يرى عدد من الباحثين أن النفوذ الإنجيلي في السياسة الأمريكية يعكس ظاهرة أوسع تتمثل في تسييس الدين داخل النظام السياسي الأمريكي، ففي حين تقدم الولايات المتحدة نفسها باعتبارها دولة علمانية، إلا أن الواقع يكشف عن تأثير كبير للمعتقدات الدينية في توجيه السياسات العامة، خاصة في ملفات السياسة الخارجية، كما أن هذا التأثير يطرح عدة تساؤلات مثل، هل يمكن لاعتبارات لاهوتية أن توجه قرارات جيوسياسية كبرى؟ وإلى أي مدى يمكن للولايات المتحدة أن تلعب دور الوسيط النزيه في الشرق الأوسط في ظل هذا الانحياز الديني والسياسي؟ وهل يشكل هذا التحالف بين المسيحية الصهيونية والصهيونية اليهودية عامل استقرار أم عنصر توتر دائم في المنطقة؟

ختامًا:

دور المستشارين الإنجيليين في إدارة الرئيس ترامب يكشف عن حقيقة مهمة في فهم السياسة الأمريكية المعاصرة، وهي أن الصراع في الشرق الأوسط لا يُدار فقط عبر الحسابات الاستراتيجية التقليدية، بل يتداخل فيه أيضًا البعد الديني واللاهوتي، فالمسيحية الصهيونية لم تعد مجرد تيار فكري داخل الكنائس الأمريكية، بل تحولت إلى قوة سياسية قادرة على التأثير في قرارات كبرى تمس مستقبل المنطقة. ومن خلال تحالفها مع المشروع الصهيوني الإسرائيلي، وأصبحت هذه الحركة جزءًا من معادلة الصراع الإقليمي، وفي ظل استمرار هذا التحالف، يبدو أن الشرق الأوسط سيظل ساحة يتقاطع فيها الدين بالسياسة، والأسطورة اللاهوتية بالمصالح الجيوسياسية، وهو ما يجعل فهم الخلفيات الفكرية لهذه التيارات ضرورة أساسية لتحليل ما يجري في المنطقة اليوم.

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء