أنت من أي جيل؟ سؤال بات بديلاً عن: أنت عندك كام سنة؟ انتشرت في الآونة الأخيرة سردية الأجيال، وذاع صيت جيل زد على وجه الخصوص، فما حقيقة هذا التصنيف؟ ولماذا هذه المسميات؟ الإجابة على هذه الأسئلة تثير جدلاً كبيرًا وتحتاج إلى مناقشة واسعة. خرجت تقسيمة الأجيال من علم الاجتماع وعلم الديموجرافيا، حيث قام كلٌّ من بيل شتراوس ونيل هارو، وهم الأشهر في الحديث المعاصر عن الأجيال، في كتابهم الأجيال: تاريخ مستقبل أميركا 1584-2069. وجدير بالاعتبار أن مسميات وتصنيف الأجيال ليست نتاجًا لهذا العمل فقط، ولكنها تراكمت عبر أعمال كثيرة في العلوم الاجتماعية.
جاء التقسيم الأشهر للأجيال بربط كل جيل من الأجيال بحدث كبير، فعلى سبيل المثال الجيل الصامت الذي ينتهي عام 1945، وهو الجيل الذي ارتبط بظرف فترة تحديات اقتصادية، وجيل كثرة المواليد ما بين عام 1946-1965، وهو الجيل الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وتداعياتها، وجيل (X) 1965–1980، الجيل الذي نشأ قبل ظهور التكنولوجيا الحديثة، جيل (Y) 1981–1994 هو الجيل الذي شهد بداية التكنولوجيا الحديثة، وجيل (Z) من 1995-2012 وهو الجيل الذي شهد ظهور الإنترنت، وجيل ألفا 2013–2024 وهو الجيل الذي شهد مواقع التواصل الاجتماعي وتنامي التكنولوجيا الرقمية، وجيل بيتا بداية عام 2024 الذي شهد تطور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
ذهبت سردية الأجيال في الآونة الأخيرة إلى تقسيم الأجيال بمتوسط من 15–25 عامًا، وذلك الفرق جاء من معيار الفرق بين الآباء والأبناء، وهذا الأمر يصنع معيارًا آخر لتقسيم الأجيال، وهنا نستطيع القول إن معايير تقسيم الأجيال الأشهر ترتبط بمعيارين: الأول يتمثل في الأحداث الكبرى، والثاني مرتبط بالفاصل الزمني بين الآباء والأبناء.
نال جيل زد الحظ الأكبر وما بعده في سردية الأجيال، وارتبط ذلك بطبيعة هذا الجيل الذي شهد بداية العالم الرقمي وتسارع وتيرة تغيراته التي ألقت بظلالها على حياته التعليمية والاجتماعية وكل سبل حياته، ومما لا شك فيه أن هذا الجيل ليس كما يدعي البعض جيلاً متجانسًا، على العكس أي محاولة للحديث عن التقاطعات بين جيل زد على مستوى العالم للتركيز على التشابهات بينهم أمر مجحف ويجانبه الصواب، فعلى الرغم من الاشتراك في خصال وخصائص مشتركة أبرزها استخدامهم لوسائل التواصل الرقمي، إلا أن هذا الجيل به الكثير من الاختلافات بخلاف الأجيال الأخرى، ومرد هذا الاختلاف يرجع إلى اختلاف أنماط التعليم الذي تلقاه هذا الجيل، وتنامي السبل الرقمية التي أتاحت له فرص الانتقاء من بينها، ويشهد على ذلك أن أرباب التعليم الدولي يختلفون على سبيل المثال عن التعليم الأزهري، عن التعليم التجريبي، عن التعليم الحكومي، والغرض هنا التأكيد على أن طبيعة هذا الجيل ليست متجانسة، والفجوات بينه وبين الأجيال السابقة مرتبطة بقدرة الأجيال السابقة على التعامل مع هذا الجيل وفهم التقنيات الرقمية التي نشأ وتربى عليها جيل زد.
يدرك المتأمل لواقع هذا التقسيم أنها مرتبطة بالأساس بالمجتمعات الغربية والأحداث الكبرى المرتبطة بها، وخاصة مرحلة ما قبل جيل زد، وهنا يجب على علماء الديموجرافيا والعلوم الاجتماعية العربية أن يراعوا عند الكتابة عن سردية الأجيال أن هذا التقسيم ارتبط بالأحداث الكبرى العالمية والغربية على وجه الخصوص، ونعتقد أن هناك أحداثًا كبرى مر بها العالم العربي يمكن أن تكون مرجعًا أساسيًا في تقسيم الأجيال، مثل مرحلة الاستعمار، ومراحل ما بعد الاستعمار، ومرحلة ظهور النفط، ومرحلة ما قبل ظهور النفط. المراد في هذا الصدد أن يكون هناك اجتهاد عربي في تقسيم الأجيال وفقًا للأحداث الكبرى التي مر بها، لا أقصر القول على المجتمع المصري فحسب، لكن المجتمعات العربية، ولست هنا بصدد تقديم اجتهاد في التصنيف، ولكن بصدد تقديم التنبيه بضرورة التفكير في صناعة سردية أجيال تراعي الأحداث الكبرى التي مر بها عالمنا العربي.