في ذكرى وفاة عباس العقاد.. عقل موسوعي كتب الشعر والفكر والتاريخ
تحل اليوم ذكرى وفاة عباس محمود العقاد، الذي يعد واحدًا من أبرز أعلام الفكر والأدب في العالم العربي خلال القرن العشرين، إذ استطاع أن يشق طريقه إلى مكانة استثنائية بين كبار المثقفين رغم أنه لم يحصل على تعليم جامعي، فقد اعتمد على ثقافته الذاتية وقراءاته الواسعة ليصبح نموذجًا للمثقف الموسوعي، الذي جمع بين الأدب والفلسفة والنقد والسياسة، وترك بصمة واضحة في الحياة الفكرية المصرية والعربية.
وقد نظر كثير من الباحثين في الغرب إلى العقاد باعتباره أحد المفكرين الذين ساهموا في نقل الثقافة العربية إلى مرحلة جديدة من الحداثة والتنوير، إذ تحرر من القيود التقليدية التي سيطرت طويلًا على الأدب العربي، وفتح الباب أمام رؤى فكرية أكثر انفتاحًا على العالم.
نظرة غربية
تناولت العديد من الدراسات الغربية تجربة العقاد الفكرية والأدبية، ومن بينها دراسة نشرتها مجلة Arab Studies Journal المتخصصة في الدراسات الشرق أوسطية، والتي أشارت إلى أن تحديد تأثير المدارس الفكرية المختلفة على أعمال العقاد يعد مهمة معقدة، نظرًا لاستقلاله الفكري وعدم انتمائه الواضح لأي مؤسسة تعليمية أو تيار فكري بعينه.
فالعقاد لم يتلق تعليمًا رسميًا في المؤسسات الدينية الحديثة أو التقليدية، كما لم يكن تابعًا لمدرسة فكرية غربية محددة، الأمر الذي جعله عرضة لانتقادات من بعض التيارات الفكرية، ومع ذلك، فقد استطاع أن يستفيد من التراث العربي والآداب الغربية في آن واحد، وأن يوظف تلك المعرفة في إنتاج أدبي وفكري يعكس شخصيته المستقلة.
مسيرة أدبية
ولد العقاد في مدينة أسوان عام 1889، وأنهى دراسته الابتدائية عام 1903 قبل أن يضطر إلى ترك التعليم بسبب الظروف المادية لأسرته، عمل في عدة وظائف في شبابه، منها العمل في مصنع للحرير، ثم موظفًا في السكك الحديدية، لكن شغفه بالقراءة والمعرفة دفعه إلى تثقيف نفسه بنفسه، حتى أصبح من أبرز الكتاب في الصحافة المصرية خلال القرن الماضي.
وانضم العقاد إلى الكاتب المصري محمد فريد وجدي في تأسيس صحيفة الدستور، قبل أن يبدأ لاحقًا كتابة المقالات في العديد من الصحف والمجلات المصرية، وقد تميزت كتاباته بالجرأة الفكرية والقدرة على التحليل العميق، وهو ما جعله أحد أهم الأصوات الثقافية في مصر في تلك الفترة.
إنتاج فكري
يعد إنتاج العقاد الأدبي والفكري من بين الأغزر في تاريخ الأدب العربي الحديث، إذ كتب في الشعر والنقد والفلسفة والدراسات الإسلامية والتاريخية، ومن أشهر أعماله رواية سارة التي صدرت عام 1938، إلى جانب سلسلة العبقريات التي تناول فيها شخصيات تاريخية وإسلامية بارزة مثل النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعدد من الصحابة والقادة المسلمين.
كما عرف العقاد بدوره في تجديد الشعر العربي، حيث أسس مع إبراهيم عبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري مدرسة الديوان الأدبية، التي دعت إلى التحرر من الأساليب الشعرية التقليدية والاهتمام بالتجربة الإنسانية في الشعر.
مواقف جريئة
لم تكن حياة العقاد الفكرية بعيدة عن الصراعات السياسية والفكرية في عصره، فقد عُرف بآرائه السياسية الجريئة التي أدت إلى سجنه عدة أشهر بين عامي 1930 و1931 بسبب انتقاده للحكومة المصرية آنذاك. كما اضطر إلى مغادرة مصر متجهًا إلى السودان عام 1942 خلال الحرب العالمية الثانية بعد تلقيه تهديدات بسبب موقفه المعارض لأفكار الزعيم النازي أدولف هتلر.