“علم اللوع أضخم كتاب في الأرض، بس اللي يغلط فيه يجيبه الأرض” هي إحدى المقولات الشهيرة والصحيحة أيضًا، قالها المبدع صلاح جاهين قبل عقود، والتاريخ والأيام تثبت صحتها، فمن يقع ضحية للمكر والخداع أو حتى من يمارسه بجهل يسقط ويصل إلى الدمار والفناء ولو بعد حين.
الإشكالية تتكرر كل يوم مع البشر، وتتكرر كل ثانية مع أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي يتحدث إليها مليارات من البشر حول العالم، يسألون ويطلبون ولا يحصلون في النهاية على مبتغاهم بصورة دقيقة إلا بعد الكثير من التضييق على محاولات النماذج للمراوغة واللوع والفهلوة والكذب والهلوسة.
ففي كلِّ مرَّةٍ أطرحُ سؤالًا بسيطًا على أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أجدني لا أبحث فقط عن إجابة، بل أختبرُ طبيعة تفكيره وإعداده للرد، فأنظر إلى كيف تُصاغ المعلومة، أو كيف تُخفى أو يتخفى بعضٌ من أجزائها، أي كيف تُراوغ تلك الأنظمة أو تدخلني في تفاصيل وفرعيات جانبية راغبة في تشتيتي عن لب الموضوع وجوهر السؤال، وهنا تزداد شكوكي وتساؤلاتي: هل يعرف الجواب؟ بل: لماذا يختار أن يُجيب بهذه الطريقة تحديدًا؟ هنا تبدأ حكاية اللَّوع، ويظهر لؤم البرود الحسابي في أبهى صوره.
والحقيقة أن الذكاء الاصطناعي لا يكذب بالمعنى التقليدي، لكنه يتقن فنَّ الالتفاف؛ فحين تسأله سؤالًا عاديًا فإنه يُغرقك في عمومياتٍ لا تُسمن ولا تُغني من جوع، وإن سألته سؤالًا محرجًا فتجده يرتدي عباءة الحياد، ويختبئ خلف عباراتٍ مطَّاطة من قبيل "الأمر يعتمد على السياق" أو "لا توجد إجابة واحدة صحيحة". أمَّا إن سألته عمَّا لا يملك له جوابًا محددًا، فإنه يُحسن صناعة ضبابٍ لغويٍّ كثيف، يخيَّل إليك مع كثرة هذا الضباب الكلامي أنه أكثر منك حكمة، وأن السؤال لم يكن على القدر المناسب من الوضوح والنضج.
وهنا تبدأ في التساؤل عن سبب هذا اللوع والمراوغة، هل البيانات التي يتغذى عليها ويتعلم منها هذا النموذج هي السبب، كأن تكون منقوصة أو غير مكتملة، أو أن السؤال يقع ضمن المناطق المحرمة عليه أن يتحدث فيها ويجيب عنها بوضوح مثل الأمور السياسية أو الطبية؟ وتتساءل: لماذا إذًا يعطينا الذكاء الاصطناعي هذا الإيحاء الدائم بالقدرة؟ وما هذه الثقة المصطنعة التي تُغلِّف أحيانًا إجاباتٍ ناقصة، خاصة مع أن إجابات تلك الأسئلة قد نصل إليها من خلال محركات البحث التقليدية، ومن خلال معلومات متاحة للجميع على شبكة الإنترنت وعبر المواقع الإلكترونية المفتوحة؟ فاللَّوع هنا ليس نتيجة الجهل، إذًا لماذا يُخفي الذكاء الاصطناعي حدود معرفته خلف صياغاتٍ متوازنة أو عبارات ميكانيكية بلا مشاعر أو فائدة حقيقية؟ ونتساءل أيضًا: لماذا يُساوي بين الرأي والحقيقة تحت شعار "تعدد وجهات النظر"؟ لماذا إذًا هذا الحياد، ولماذا يؤثر السلامة؟
ربما يكون السبب، كما ذكرت من قبل، أن الشركات المالكة لهذه التطبيقات لا تسعى فقط إلى الدقة، بل إلى الأمان والسلامة القانونية كيلا تقع تحت طائلة القانون عند إعطاء معلومة أو خبر غير صحيح، أو أنها تتجنَّب الصدام. ومن هنا ينشأ ذلك الأسلوب المراوغ؛ أسلوبٌ يُرضي الجميع ولا يُرضي أحدًا تمامًا. الإجابة لا تكون حاسمة كي لا تُغضب طرفًا، ولا تكون جازمة كي لا تُعرِّض الشركة للمساءلة، ولا تكون شخصية كي لا تُتَّهم بالتحيُّز. والنتيجة نصوصٌ مُهذَّبة، محسوبة، لكنها أحيانًا باردة إلى حدِّ الاستفزاز.
وهنا ننظر إلى بعض من عناصر حوكمة نظم الذكاء الاصطناعي كالمصداقية والشفافية: أليس من حقِّ المستخدم أن يسمع عبارة "لا أعلم ولا أعرف" صراحة، أو أن يُقال له بوضوح إن السؤال خارج نطاق المعرفة المتاحة، بدلًا من أن يُقدَّم له استعراضٌ لغويٌّ طويل لا يقترب من لبِّ المسألة؟ "من قال لا أعلم فقد أفتى" هذا بين البشر، فلماذا لا ينتهج الذكاء الاصطناعي نفس النهج ولا يلتزم بهذه المقولة؟
ولذلك فإن حالة "الميوعة" تلك تفرض على المستخدم أن ينتهج نهج المحقق الجنائي للوصول إلى الحقيقة وإلى الرأي النهائي الأكثر دقة والأكثر قربًا من الحقيقة قدر الإمكان، وهو إجراء يستهلك الكثير من الوقت والمجهود ويحتاج إلى مهارات وقدرات خاصة. وفي جميع الأحوال دعونا نأمل في مستقبل تكون فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر حكمة وأكثر معرفة وأقل لوعًا، وإلا فإن مصداقية المنظومة ككل ستكون على المحك.