رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

نتذكر أن حرب 1956 تحولت إلى أسوأ هزيمة لبريطانيا وفرنسا؛ فقد أنزلتهما من مستوى القوى العظمى إلى مستوى الدول المتوسطة في العالم. كان الخطأ القاتل في أنهما أخطأتا تقدير المزاج العالمي في مرحلة ما بعد الاستعمار. ترامب يفعل ذلك الآن. أحداث التاريخ قد لا تتكرر، لكنها قطعًا قد تتشابه.

قبل الخوض في تعريف المزاج العالمي ينبغي أن نذكر عدة حقائق وفق مقال التليجراف للكاتب أمبروز إيفانز-بريتشارد:

بكل المقاييس تعتبر الحرب على إيران مخاطرة كبرى تشبه مخاطرة أزمة السويس في 56. لنتذكر أن هناك قاعدة بحرية بريطانية في مملكة البحرين تسمى "قاعدة شرق السويس الجوية الملكية البريطانية". حجم هذه الذكرى جعل لندن تخلدها في شكل اسم قاعدة بحرية.

أولاً: النفط


دخلت واشنطن الحرب واحتياطيها النفطي الاستراتيجي لا يكفي إلا لاستهلاك 21 يومًا فقط، فيما احتياطي الصين يكفي 120 يومًا، ولا تملك واشنطن بحرية كافية لحماية الملاحة.

استهلك معظم مخزون النفط الخام الروسي العائم البالغ "20" مليون برميل، ولن يستطيع "بوتين" أن يزيده، فهو بالفعل يصدر كل ما يمكن تصديره.

ذلك لأن الحرب، وفق محللين من مؤسسات مثل سوسيتيه جنرال وجلوبال إنرجي ومؤسسة البترول الكويتية.. إلخ؛ منعت 17 مليون برميل من إمدادات النفط، أي حوالي سدس الاستهلاك العالمي، والوضع أسوأ بكثير بالنسبة للغاز الطبيعي المسال.

فالعراق خفض إنتاجه من النفط بمقدار 3 ملايين برميل يوميًا لامتلاء سعة التخزين لديه، وكذلك فعلت الكويت، وستفعل الإمارات قريبًا جدًا، والسعودية التي تمتلك سعة تخزين أكبر أغلقت حقولًا مثل السفانية والمرجان والظلف وأبو صفا بسبب هجمات المسيرات، وتقلص إنتاجها بأكثر من 2 مليون برميل يوميًا.

وفقًا لخبراء الطاقة في شركة أرجوس، توقف إنتاج 7 ملايين برميل يوميًا من حقول المنطقة، ولن يستطيع خط شرق غرب السعودي أن يعوض ذلك، وإن استطاع فهو في مرمى الطائرات المسيرة للحوثيين.

الأخطر في هذه الحقائق أن إغلاق آبار البترول لمدة شهر يجعل الكارثة تتفاقم بشكل غير خطي، حيث يحدث تغيير في ما يسمى بـ "خصائص المكامن"؛ حيث يتحول الخلل في الأسابيع الأولى إلى خلل دائم، واستئناف إنتاج حقول بهذا الحجم سيمثل تحديًا تقنيًا ضخمًا، حيث يصبح الضرر الواقع على ضغط الآبار وخطوط التدفق شبه دائم.

ثانيًا: الغاز


شركة وود ماكنزي للاستشارات في مجال الطاقة أعلنتها بكل صراحة وقالت: ليس من المستبعد في رأينا أن يصل سعر الغاز إلى 200 دولار في عام 2026. وقالت سوسيتيه جنرال إن الصناديق تضارب أو تراهن على سعر تنفيذ 200 يورو لكل ميجاواط ساعة لعقود الغاز الطبيعي الآجلة في أوروبا لشهر سبتمبر. هذا العقد كان منذ أسابيع قليلة 26 يورو فقط.

ثالثًا: التأمين


ترامب قال إنه سيوفر صندوقًا بقيمة 20 مليار دولار لتغطية إعادة التأمين على سفن الشحن في الخليج في حالات الحرب، وهو ما يعني إما أن هذا الرجل يتجاهل الحقائق ولا يعيرها انتباهًا، أو أن الإدارة الأمريكية بأكملها لا تفهم كثيرًا ديناميكيات سوق النقل البحري والتأمين العالمي.

إن مهمة نقل الأسطول الضخم من السفن العالقة على جانبي مضيق هرمز قد تهدد بتجاوز الحد الأقصى للمخاطر القانونية البالغ 205 مليارات دولار، وهو المبلغ الذي حددته وكالة الاستخبارات الأمريكية.

إيران لا تزال تمتلك ترسانة ضخمة من الطائرات المسيرة بعيدة المدى، بالإضافة إلى زوارق صغيرة سريعة انتحارية يمكنها في أي وقت – ناهيك عن الألغام البحرية – تدمير أي سفينة أو ناقلة نفط تعبر المضيق.

الكويت، وعلى لسان مؤسسة البترول الكويتية، أعلنتها هي الأخرى بصراحة، وقالت إن حياة الأطقم لديها أهم من كل شيء، ولن تعود للإنتاج إلا إذا تلقت ضمانات أمريكية، وواشنطن ليس لديها خطة للتأمين الكامل، وحتى إن وجدت هذه الخطة فلن تكون شاملة، ومن المستحيل تحقيقها على المدى البعيد.

بعض الآراء تقول إن ذلك يتطلب 20 سفينة بحرية على الأقل للتعامل مع التدفق المستمر لناقلات النفط، وكذلك إلى كاسحات ألغام من أوروبا.

رابعًا: ليس صحيحًا أن الولايات المتحدة لن تتأثر بارتفاع أسعار النفط


الولايات المتحدة ستتأثر قطعًا بارتفاع أسعار النفط والغاز في العالم، حتى وإن جاء التأثر بنسبة أقل أو في وقت متأخر زمنيًا عن باقي العالم، وذلك في حالة تطبيق فرض حظر النفط الذي فعله الرئيس الأمريكي الأسبق لفك ارتباط الأسعار جزئيًا.

فالولايات المتحدة لا تزال مضطرة لاستيراد 9 ملايين برميل يوميًا على شكل منتجات بترولية أو نفط خام ثقيل حامض لموازنة إنتاج تكساس من النفط الخفيف في مصافيها.

الأمريكيون يستهلكون النفط والغاز أكثر من باقي العالم؛ فهم على سبيل المثال يقطعون ضعف المسافة التي يقطعها سكان أوروبا الغربية سنويًا، ومتوسط كفاءة استهلاك الوقود في سياراتهم نصف ما يقطعه سكان أوروبا الغربية تقريبًا، وهم عرضة لتأثيرات الأسعار بأربعة أضعاف، كما أنهم يسافرون جوًا ضعف المسافة للفرد على مستوى العالم. الولايات المتحدة تستهلك بشكل عام ثلث الاستهلاك العالمي لوحدها.

طبعًا لقد ارتفع سعر البنزين في محطات الوقود بالولايات المتحدة، وقد ارتفع سعر وقود الطائرات بنسبة أكبر، واستمرار ذلك وحده كفيل بإلحاق الضرر باقتصاد مثل اقتصاد الولايات المتحدة، حيث أصبح نصف السكان غير قادر على تحمل التكاليف الصعبة. ولذلك يقول البعض إن 150 دولارًا للبرميل سيلحق الضرر البالغ بقاعدة ترامب الانتخابية، أما إذا وصل السعر إلى 200 دولار للبرميل فسيقضي ذلك على رئاسته بالكامل.

خامسًا: وضع الطاقة تغير


منذ أن استخرج الغاز من رأس لفان في عام 1996 تغيرت أهمية المنطقة بالكامل. بعد التدابير والإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة ودول أخرى بعد الحظر النفطي العربي في عام 1973 أصبحت المنطقة تنتج:

30% من اليوريا في العالم
20% من الأسمدة التي يحتاجها المزارعون الأمريكيون لزراعة موسم الربيع المقبل.
1/8 إنتاج العالم من البولي بروبيلين والإثيلين
1/10 إنتاج العالم من الألومنيوم

سادسًا: هزيمة إيران


لنفترض أن إيران هُزمت في الحرب، وهزيمتها هنا تعني فوضى عارمة وتقسيمها؛ فهذا لن يجلب الأمان للمنطقة، وستظل إمدادات النفط العالمية مهددة بين الحين والآخر، ولذلك قال الإيرانيون إن مضيق هرمز إما أن يكون مخرجًا للجميع أو اختناقًا للجميع.

سابعًا: دخول دول الخليج الحرب


إن أفضل قرار استراتيجي اتخذته دول الخليج هو عدم الرد على الاعتداءات الإيرانية، لأن ذلك لا يعني دخولها الحرب لصالح أمريكا وإسرائيل فحسب، بل يعني أن برميل النفط سيصل إلى أسعار جنونية ربما تفوق جنون ترامب نفسه.

ثامنًا: الدخول البري


وفق واشنطن بوست، يقول مايكل سينج الذي شغل منصبًا في مجلس الأمن القومي في إدارة جورج دبليو بوش ومديرًا تنفيذيًا لمعهد واشنطن للأبحاث، إن الأفضل لترامب أن يقول إنه حقق 80% من الأهداف في فترة وجيزة، ويتغاضى عن تحقيق الـ 20% الباقية لأنها تستلزم قوات برية و10 سنوات من الحرب، وربما أكثر، وهذا يعني استمرار الاضطرابات أيضًا في إمدادات النفط.

تاسعًا: إيران هي صاحبة قرار وقف الحرب


يطالب الإيرانيون بوقف اعتداء أمريكا وإسرائيل أولًا، وهذا يعني انتصارًا مبدئيًا لطهران؛ لأنها صمدت أمام قوتين من أكبر القوى الجوية في العالم، وبقي نظامها. وقد قالوا إن لديهم القدرة على الصمود في هذه الحرب بهذه الوتيرة لمدة 6 أشهر مقبلة، وبالطبع سنوات بوتيرة أخرى، وأفغانستان والعراق مثالان حيان على ذلك.

عاشرًا: رؤية لعالم لم يعد موجودًا


في مقال لمايكل شيفر في صحيفة ناشيونال إنترست؛ يقول الكاتب إن ترامب ينظر إلى القوة كما كان ينظر إليها بعض الاستراتيجيين الجيوسياسيين في القرن التاسع عشر، أي من منظور السيطرة على الأراضي والموارد والفساد والهيمنة العسكرية على الخصوم وعلى الطرق والنفط إلخ. ويقول الكاتب إن ذلك المفهوم قد تغير، وأن الحرب على إيران وفنزويلا وغرينلاند وكوبا بهذه الطريقة تجعل الولايات المتحدة تخسر هيمنتها في القرن الجديد.

نعود إلى تغير المزاج العالمي الذي جعل من بريطانيا وفرنسا دولتين عاديتين، ونظن أنه في القريب العاجل سيحدث ذلك للولايات المتحدة؛ فقد سئم العالم حروبهما، وسقطت الأقنعة وكُشفت الأوجه القبيحة، وللرئيس ترامب دور كبير في ذلك، حيث تعامل مع الحلفاء والخصوم على حد سواء بالإكراه والقهر دون أن يلبس هذا الإكراه والقهر أي ثوب من السياسة، بل جعل ذلك يحدث بسفور وببجاحة منقطعة النظير.

العالم يحبس أنفاسه الآن، فهل ترامب وإدارته تركزان على الهدف الضيق المتمثل في الفوز في الانتخابات النصفية للكونجرس، أم أنه سيتبع نتنياهو وكبرياءه المجروح ويستمر في إغراق المنطقة والعالم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء