رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هل تسببت الحرب الإيرانية الأمريكية في انقسام أوروبا؟

سانشيز وميرتس
سانشيز وميرتس

بينما تشتعل سماء الشرق الأوسط بلهيب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، تجد القارة الأوروبية نفسها اليوم في حالة من الارتباك الاستراتيجي غير المسبوق، فبين "لا" إسبانية حازمة، وتوافق ألماني مع طموحات واشنطن، وتصريحات مثيرة للجدل من مفوضية بروكسل، يبدو أن الاتحاد الأوروبي أصبح عاجزا عن صياغة موقف موحد يحمي مصالحه التي باتت تحت رحمة الصواريخ وأسعار الطاقة.

"لا للحرب".. مدريد تقود جبهة الرفض

وأوضحت دراسة أعدها المعهد الإيطالي للدراسات السياسية والدولية، أنه في موقف استعاد ذكريات المعارضة الشعبية لحرب العراق، خرج رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، بخطاب شديد اللهجة أعلن فيه صراحة: “موقف إسبانيا يتلخص في كلمتين: ”لا للحرب". 

سانشيز الذي رفض السماح للمقاتلات الأمريكية باستخدام القواعد الجوية في بلاده (مورون وروتا) لضرب إيران، أكد أن مدريد لن تكون شريكة في مغامرة عسكرية قد تجر المنطقة وكوكب الأرض إلى كارثة إنسانية.

هذا الموقف المبدئي لم يمر مرور الكرام في واشنطن؛ إذ سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للهجوم على إسبانيا، واصفاً قيادتها بـ"السيئة"، ومصدراً تعليمات بقطع كافة العلاقات التجارية معها، وهو ما دفع المفوضية الأوروبية للتدخل مذكرةً بأن السياسة التجارية هي اختصاص حصري للاتحاد، في محاولة لحماية عضو من أعضاء الكتلة أمام "بلطجة" العقوبات الأمريكية.

برلين والرهان على واشنطن

على الناحية الأخرى، بدا المشهد في برلين مختلفاً تماماً؛ حيث اختار المستشار الألماني الجديد، فريدريك ميرز، الاصطفاف الكامل خلف البيت الأبيض. ميرز، في مؤتمره الصحفي مع ترامب، قلل من شأن التمسك بالقانون الدولي في هذه المرحلة، معتبراً إياه "غير ذي صلة"، داعياً الأوروبيين إلى الكف عن انتقاد واشنطن والاعتراف بأن أهداف الحليف الأمريكي هي أهداف أوروبية في جوهرها، حتى لو عجزت أوروبا عن تحقيقها بمفردها.

"فونديرلاين" وإشعال فتيل الجدل

ولم تكن رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فونديرلاين، بعيدة عن العاصفة، إذ أثارت موجة انتقادات واسعة بعد مطالبتها الصريحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بـ"انتقال سياسي ذي مصداقية في إيران" (تغيير النظام)، وهو موقف لم يجرؤ وزراء خارجية الدول الأعضاء على تبنيه رسمياً، خوفاً من التصعيد أو استعداء طهران بشكل نهائي.

فاتورة الحرب: غلاء، نزوح، وتهديدات أمنية

بعيداً عن أروقة السياسة، تلوح في الأفق تبعات كارثية بدأت تمس المواطن الأوروبي مباشرة وهي أزمة الطاقة، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت النفط في الخليج إلى قفزة جنونية في أسعار الوقود.

كما لا يغيب عن المشهد أزمة اللاجئون، حيث تخشى العواصم الأوروبية من موجات نزوح بشرية كبرى قد تنطلق من مناطق النزاع باتجاه السواحل الأوروبية.

ويضاف لتلك المشكلات السيادة المخترقة، بعد أن سجلت الأيام الماضية اختراق طائرات مسيرة لمجال قبرص الجوي (عضو الاتحاد)، مما ينذر بانتقال شرارة الحرب إلى داخل البيت الأوروبي.

أسئلة الوجود والصدقية

تضع هذه الأزمة مصداقية الاتحاد الأوروبي على المحك؛ فبينما تتغنى بروكسل لسنوات بقيم "النظام الدولي القائم على القواعد"، تكشف المواقف المتناقضة تجاه العمليات العسكرية الأمريكية عن فجوة عميقة في المبادئ.

يبقى السؤال الكبير الذي يتردد في أروقة بروكسل اليوم: إذا كانت أوروبا غير قادرة على حماية حدودها من المسيرات، أو حماية اقتصادها من تقلبات ترامب، فما هي بالضبط "القواعد" التي تدعي حمايتها؟

وأصبحت أوروبا اليوم عالقة بين مطرقة التهديد الإيراني الوجودي وسندان الضغوط الأمريكية العنيفة، بانتظار معجزة دبوماسية توقف نزيف الحرب قبل أن يطال لهيبها قلب القارة العجوز.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء