رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

تمر منطقة الشرق الأوسط اليوم بمرحلة تاريخية فارقة قد تعيد تشكيل توازنات القوة الإقليمية والدولية لعقود مقبلة. فالمواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران لم تعد مجرد أزمة عسكرية مرتبطة ببرنامج نووي أو قدرات صاروخية، بل تحولت إلى عقدة استراتيجية تتقاطع عندها تحولات كبرى في بنية النظام الدولي، وصراع عميق على قيادة العالم في القرن الحادي والعشرين.

فما يحدث اليوم يتجاوز حدود الصراع التقليدي بين دول متنافسة، ليعكس تحولات أعمق في طبيعة النظام العالمي ذاته. العالم الذي نشأ بعد الحرب الباردة تحت هيمنة أمريكية شبه مطلقة يمر الآن بمرحلة انتقالية تتسم بتراجع القدرة الأمريكية على فرض إرادتها منفردة، مقابل صعود قوى دولية جديدة تسعى إلى إعادة صياغة قواعد النظام الدولي. وفي قلب هذه التحولات يقف الشرق الأوسط بوصفه إحدى أهم ساحات الصراع الجيوسياسي، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع صراعات الهوية والدين والنفوذ الإقليمي، لتنتج معادلة شديدة التعقيد قد تحدد شكل النظام الدولي في العقود القادمة.

الشرق الأوسط: الجغرافيا التي تحكم التاريخ

لم يكن الشرق الأوسط عبر التاريخ مجرد مساحة جغرافية بين القارات، بل كان مركزًا لتقاطع طرق التجارة والإمبراطوريات والأديان. فمن هذه المنطقة مرت طرق الحرير القديمة، وتشكلت فيها الديانات التوحيدية الكبرى، ومنها انطلقت صراعات سياسية وثقافية تركت بصماتها العميقة على تاريخ البشرية.

وتتضاعف أهمية المنطقة اليوم بسبب امتلاكها أكبر احتياطيات الطاقة العالمية، إضافة إلى سيطرتها على أهم الممرات البحرية الحيوية للتجارة الدولية. مضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا للطاقة، بينما قناة السويس وباب المندب هما شريانان أساسيان للتجارة العالمية. هذه الجغرافيا جعلت الشرق الأوسط ساحة تنافس دائم بين القوى الكبرى، تمامًا كما كان محورًا للصراع بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية في القرن التاسع عشر، ثم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في القرن العشرين، والآن بين الهيمنة الأمريكية أحادية القطب والنظام الدولي المتعدد الأقطاب الصاعد.

الحرب على إيران في سياق الصراع على النظام العالمي

عند قراءة الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران ضمن سياقها الجيوسياسي الأوسع، يتضح أنها أكثر من محاولة لاحتواء قوة إقليمية صاعدة؛ فهي جزء من معركة أوسع للحفاظ على الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي.

إيران ليست دولة إقليمية فحسب، بل تشغل موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية يربط آسيا الوسطى بالخليج العربي، وتشكل حلقة مركزية في مشروع "الحزام والطريق" الصيني لإعادة تشكيل شبكة التجارة العالمية. إضعاف إيران أو إخضاعها يحقق هدفين متداخلين: تقليص نفوذ قوة إقليمية معارضة للسياسات الأمريكية، وإبطاء صعود النظام الدولي متعدد الأقطاب الذي تسعى إليه قوى صاعدة مثل الصين وروسيا. لذا، تصبح الحرب على إيران جزءًا من معركة أوسع حول مستقبل النظام العالمي، وليس مجرد صراع إقليمي محدود.

تآكل النظام الدولي القائم على القواعد وتكريس شريعة الغاب

النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية ارتكز نظريًا على القانون الدولي واحترام سيادة الدول وتسوية النزاعات عبر المؤسسات الدولية. غير أن هذا النظام شهد تآكلًا تدريجيًا بفعل التدخلات العسكرية الأحادية واستخدام العقوبات الاقتصادية كسلاح سياسي.

الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران تجسيد واضح لهذا التحول، إذ تُستخدم القوة الصلبة لإعادة ضبط التوازنات الجيوسياسية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، ما يعيد للعالم منطق القوة الغاشمة على حساب القانون الدولي.

الدين كأداة للصراع الجيوسياسي

يلعب الدين دورًا مركزيًا في تشكيل الخطاب السياسي والتحشيد الاستراتيجي.

في الولايات المتحدة، تتمتع تيارات المسيحية الصهيونية بنفوذ ملحوظ، معتبرة دعم إسرائيل واجبًا دينيًا لتحقيق نبوءات توراتية.

في إسرائيل، يتقاطع هذا الخطاب مع صعود التيارات القومية المتطرفة التي تتبنى مشروع "إسرائيل الكبرى"، وتسعى لإعادة تشكيل خريطة المنطقة وفق رؤى أيديولوجية.

في إيران، يعتمد الخطاب الثوري على مفاهيم المقاومة في مواجهة ما يُسمى بالاستكبار العالمي، ما يمنح الصراع بعدًا حضاريًا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.

هكذا يتحول الصراع إلى مواجهة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية مع السرديات الدينية والأيديولوجية، ويصبح الشرق الأوسط ساحة لتجريب موازين القوى والتحكم في المستقبل الاستراتيجي.

الدول العربية: بين تجنب الحرب وهشاشة الأمن القومي

في خضم المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية، وجدت الدول العربية نفسها أمام صراع لم ترغب في الانخراط فيه، لكنها اضطرت للتعامل مع تداعياته الأمنية والاقتصادية.

وقد وضعت هذه التطورات الدول العربية أمام واقع أمني معقد، دفع العواصم للتحرك دبلوماسيًا وأمنيًا للرد على العدوان الإيراني عبر إدانة الاعتداءات، والتصدي للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، واستدعاء السفراء الإيرانيين أو سحب بعضهم، إضافة إلى اجتماعات وزراء الخارجية والقادة العرب، مؤكدة التمسك بسياسة النأي بالنفس ورفض الانخراط في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.

لكن الأزمة كشفت عن خلل بنيوي عميق في منظومة الأمن القومي العربي، إذ يفتقر النظام الإقليمي إلى إطار جماعي قادر على حماية المصالح العربية وإدارة الأزمات الكبرى. كما أظهرت الحرب الانقسامات بين الدول والشعوب تجاه إيران: بين تعاطف مع أي عمليات تستهدف إسرائيل، وبين خوف من انتقال الصراع إلى أراضي الدول العربية وتهديد استقرارها.

الحرب أبرزت هشاشة الحسابات العربية أمام الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية، التي استغلت الفراغ العربي لتعميق الاستقطاب السياسي والطائفي، وفرض واقع أمني جديد يبدأ من إبادة غزة، ويشمل الاعتداءات على لبنان وسوريا واليمن والعراق، وصولًا للتدخلات في الصومال والسودان، وتهديد المصالح العربية–الإقليمية في إفريقيا.

كما أظهرت الحرب الحاجة إلى ناتو عربي أو تفعيل اتفاقيات الدفاع العربي المشترك لحماية المصالح الجماعية العربية والأمن القومي العربي.

القضية الفلسطينية في قلب العاصفة

رغم تركيز الحرب على إيران، تبقى القضية الفلسطينية الأكثر تأثرًا بنتائجها.

انتصار الولايات المتحدة وإسرائيل قد يسرّع مشاريع الضم والاستيطان والتهجير القسري، ويفرض حلولًا أحادية تنهي القضية سياسيًا.

فشل الحرب أو عدم تحقيق أهدافها قد يضعف المشروع التوسعي الإسرائيلي ويعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأولويات الإقليمية والدولية.

استشراف المستقبل: الشرق الأوسط خلال العقدين القادمين

من المرجح أن يشهد العالم مرحلة انتقالية من الاضطراب وعدم الاستقرار، قد يتحول الشرق الأوسط خلالها إلى ساحة للصراع بين القوى الكبرى عبر مواجهات مباشرة، حروب بالوكالة، أو صراعات اقتصادية وتكنولوجية.

لكن في الوقت نفسه، تحمل هذه المرحلة فرصًا لإعادة صياغة توازنات جديدة إذا تمكنت الدول العربية من تطوير رؤى استراتيجية مشتركة تعزز استقلالها وتحد من تبعيتها للقوى الخارجية.

خاتمة: شرق أوسط على مفترق تاريخي

الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران ليست مجرد أزمة عسكرية عابرة، بل تمثل لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط والنظام الدولي.

نتائج هذه المواجهة قد تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة وتحدد مسار النظام العالمي لعقود قادمة.

وفي قلب هذه التحولات تبقى القضية الفلسطينية الاختبار الأخلاقي والسياسي الأكبر، حيث تكشف طبيعة المواقف الدولية عن مدى الالتزام بالعدالة والقانون الدولي.

ويبقى السؤال المفتوح: هل سيظل الشرق الأوسط أسيرًا لدورات الصراع التي تفرضها القوى الكبرى، أم سيتمكن من بناء تحالف عربي ونظام إقليمي مستقل ومتوازن يضع مصالح شعوبه في صدارة الأولويات، ويحول دون استمرار المنطقة كساحة دائمة للحروب وصراعات الهيمنة الاستعمارية؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء