رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

تشير التطورات المتسارعة في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى انتقال الصراع تدريجياً من إطار المواجهة العسكرية المحدودة إلى مسرح إقليمي واسع متعدد الساحات. فالمعطيات الميدانية الأخيرة تكشف عن اتساع جغرافيا رقعة المواجهة بشكل لافت، بما يتجاوز حدود الاشتباك المباشر ليشمل مناطق استراتيجية في الشرق الأوسط ومحيطه القريب. فقد تم تسجيل محاولات استهداف بطائرات مسيّرة في كل من قبرص وأذربيجان وتركيا، إلى جانب إسقاط طائرة مسيّرة كانت تتحرك باتجاه مدينة البصرة في جنوب العراق بالقرب من حقل الرميلة النفطي، أحد أكبر حقول النفط في العالم. وتعكس هذه الحوادث مؤشراً واضحاً على أن الحرب لم تعد محصورة داخل الأراضي الإيرانية أو الإسرائيلية، بل باتت تمتد تدريجياً إلى نقاط جغرافية حساسة ترتبط بالبنية التحتية للطاقة أو بالمواقع العسكرية ذات الأهمية الاستراتيجية.

ويمثل قطاع الطاقة أحد أهم محاور الصراع غير المباشر في هذه الحرب. فالمناطق التي شهدت محاولات استهداف، مثل حقل الرميلة في العراق أو حقل الرويس، تقع ضمن منظومة إنتاج الطاقة الحيوية في المنطقة، ما يمنحها أهمية استراتيجية تتجاوز الأثر العسكري المباشر. كما أن قرار السعودية نقل جزء من صادراتها النفطية إلى موانئ البحر الأحمر يعكس إدراكاً متزايداً لدى دول الخليج لحجم المخاطر المرتبطة باستمرار التوتر في الخليج العربي ومضيق هرمز، ومحاولة استباقية لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الأكثر عرضة للاستهداف. ويعكس هذا التحول أيضاً إدراكاً بأن أمن الطاقة بات أحد أهم ساحات الضغط في الصراع الدائر، وأن أي اضطراب في تدفق النفط عبر الخليج يمكن أن ينعكس بسرعة على الأسواق العالمية ويضاعف الكلفة الاقتصادية للحرب.

في المقابل، تتواصل الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية داخل الأراضي الإيرانية بوتيرة متصاعدة، حيث تعرضت مناطق في تبريز والشريط الغربي من إيران لسلسلة من الهجمات، إضافة إلى استهداف ميناء بندر عباس الذي يعد أحد أهم الموانئ الاستراتيجية الإيرانية. فإلى جانب دوره التجاري الحيوي، يمثل هذا الميناء نقطة ارتكاز مهمة للبنية العسكرية التابعة للحرس الثوري، كما يقع بالقرب من مضيق هرمز، ما يمنحه أهمية لوجستية وعسكرية خاصة في إدارة العمليات البحرية. ومن ثم فإن استهدافه يحمل رسائل تتجاوز الأثر العسكري المباشر، إذ يهدف إلى إضعاف القدرات اللوجستية والعسكرية لإيران في أحد أكثر المواقع حساسية في معادلة الصراع.

ويعكس هذا الاتساع الجغرافي للصراع ما يمكن وصفه باستراتيجية الردع التراكمي، وهي مقاربة تقوم على توسيع نطاق التهديد تدريجياً بحيث ترتفع كلفة الحرب على الخصم مع مرور الوقت. ففي هذا النموذج من الردع لا يكون الهدف بالضرورة تحقيق نصر عسكري حاسم في المدى القصير، بل رفع مستوى المخاطر الاقتصادية والأمنية إلى درجة تدفع الأطراف الأخرى إلى البحث عن مخرج سياسي للصراع. ومن هنا يأتي التركيز على استهداف أو تهديد منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية، وكذلك على تعطيل أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، باعتبارها أدوات قادرة على إحداث تأثير سريع ومباشر في الاقتصاد العالمي.

كما تقوم هذه الاستراتيجية على نقل جزء من الضغط إلى فاعلين إقليميين آخرين. فحين تتعرض منشآت الطاقة أو البنية التحتية الحيوية في دول مثل العراق أو دول الخليج للتهديد، فإن ذلك يخلق بيئة ضغط أوسع تتجاوز المواجهة الثنائية بين إيران والولايات المتحدة. وبعبارة أخرى، فإن توسيع نطاق المخاطر الإقليمية يهدف إلى إشراك أطراف إضافية في إدارة الأزمة أو دفعها إلى ممارسة ضغوط سياسية على واشنطن لتجنب التصعيد، وهو ما يحول الحرب إلى أزمة إقليمية ذات تداعيات متعددة الأبعاد.

وفي هذا السياق، تواجه دول الخليج معضلة استراتيجية معقدة تتمثل في كيفية تجنب الانجرار إلى الحرب مع الحفاظ في الوقت نفسه على أمنها القومي. فاقتصادات هذه الدول تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار قطاع الطاقة وعلى سلامة البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك محطات تحلية المياه التي تمثل شريان الحياة في العديد من دول الخليج. ولذلك تحاول هذه الدول تبني مقاربة حذرة تقوم على تعزيز إجراءات الحماية الداخلية دون الانخراط المباشر في التصعيد العسكري.

وتتجسد هذه المقاربة في اعتماد ما يمكن وصفه باستراتيجية الدفاع المزدوج. فمن جهة، هناك الدفاع السلبي الذي يشمل الإجراءات الوقائية الهادفة إلى تقليل المخاطر، مثل إعادة توزيع مسارات تصدير النفط أو تعزيز حماية المنشآت الحيوية. ومن جهة أخرى، هناك الدفاع الإيجابي الذي يعتمد على تطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي القادرة على اعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ قبل وصولها إلى أهدافها.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن منظومات الدفاع الجوي في عدد من دول المنطقة نجحت بالفعل في اعتراض عدد من الطائرات المسيّرة والمقذوفات، وهو ما يعكس تطوراً ملحوظاً في قدرات الدفاع الجوي الإقليمي. غير أن هذه النجاحات الدفاعية لا تلغي حقيقة أن اتساع رقعة المواجهة يزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة، إذ إن تعدد الساحات والفاعلين يجعل من الصعب احتواء التصعيد بسرعة.

ختاماً، فإن المشهد الراهن يشير إلى أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبحت صراعاً إقليمياً مركباً تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية. فكلما اتسعت رقعة الاستهداف لتشمل ممرات الطاقة والبنية التحتية الحيوية، ارتفعت احتمالات انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة قد تؤثر في استقرار الشرق الأوسط بأكمله وفي توازنات الاقتصاد العالمي. ومن ثم فإن إدارة هذا التوسع الجغرافي للصراع ستظل أحد أهم التحديات التي ستحدد مسار الحرب في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستبقى ضمن حدود التصعيد المحسوب أو تنزلق نحو مواجهة إقليمية أشمل يصعب احتواؤها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء