رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
عمرو فاروق- باحث
عمرو فاروق- باحث في شؤون الجماعات الأصولية والأمن الإقليمي

لم يكن الجدل حول علاقة جماعة الإخوان بالعنف وليد اللحظة أو نتاج صراعات سياسية معاصرة، بل يرتبط في جوهره بالبنية الفكرية التي وضعها مؤسس الجماعة حسن البنا منذ السنوات الأولى لنشأة التنظيم، فبينما تحاول الأدبيات الإخوانية المعاصرة تقديم الجماعة باعتبارها حركة دعوية، تكشف النصوص الأصلية التي كتبها البنا عن تصور مغاير يعتمد على إعادة تشكيل وعي شباب الجماعة حول ثلاثية الصراع والموت والشهادة.

ومن بين أهم تلك النصوص وأكثرها دلالة مقال نشره حسن البنا في مجلة "النذير" بتاريخ 26 سبتمبر 1938 بعنوان عنوان: "صناعة الموت"، ويعتبر هذا المقال مع من أهم النصوص المؤسسة لثقافة تمجيد "الموت" في أدبيات الإسلام الحركي، باعتباره المسار الوحيد لمفهوم "الجهاد"، وأحد أداوت الخلاص والوصول إلى التمكين والنيل كذلك من الخصوم في إطار المعركة بين الحق والباطل.

قراءة مقال حسن البنا "صناعة الموت"، في سياقه التاريخي والفكري تبرز جذور الخطاب التعبوي الذي أعاد تعريف العلاقة بين الدين والسياسة من جهة، وبين الحياة والموت من جهة أخرى، بحيث يصبح "الموت" في سبيل المشروع التنظيمي الإخواني قيمة عليا ومهارة يجب تعلمها، أو كما وصفها البنا صراحة بـ"صناعة من الصناعات".

تأسيس أيديولوجي

في مقاله الشهير، يطرح حسن البنا تصورًا غير تقليدي عن الموت، إذ يصفه بأنه "صناعة" يمكن للإنسان أن يتقنها كما يتقن الحرف والمهن، ويقول في هذا السياق: "أجل صناعة الموت، فالموت صناعة من الصناعات؛ من الناس من يحسنها فيعرف كيف يموت الموتة الكريمة، وكيف يختار لموتته الميدان الشريف والوقت المناسب"، في محاولة منه إلى "أدلجة الموت" باعتباره من أهم أدوت الجماعة والتنظيم الخاص، في تنفيذ الاغتيالات والتغرير بالأجيال الشبابية في الانخراط في عمليات العنف المسلح وتباعاتها، لا سيما أن المصير المحتوم لهذه العناصر سينحصر بين القتل خلال المواجهات مع الدولة ومؤسساتها التنفيذية والأمنية باعتبارها "كيانات طاغوتية"، أو نيل عقوبة الإعدام في إطار المحاكمة العادلة.

لم يقف خطاب البنا في مقاله عند حدود الوعظ الديني التقليدي حول مفهوم "الشهادة"، بل انتقل إلى مستوى تعبوي حاد، ومقارنًا بين من يتقنون "صناعة الموت" ومن يجهلونها، معتبرًا أن من يخاف "الموت" يعيش حياة الذل والمهانة.

وهذا الطرح في مجمله يحمل دلالتين بالغتي الخطورة، الأولى، تتمثل في تحويل "الموت" إلى قيمة مركزية في مشروع الحركة الأصولية، بحيث يصبح الاستعداد له معيارًا لصدق الإيمان والانتماء التنظيمي والفكري، بينما الثانية تتمثل في تجريم حب الحياة وربطه بالضعف والجبن، وهو ما يظهر بوضوح في وصفه لمن يرفضون هذا التصور بأنهم "جبناء أذلة"، ومن ثم وفق ما سطره البنا لم يعد "الموت" مجرد قدر محتوم أو تضحية استثنائية، بل يمثل منهج فكري تنظيمي يهدف إلى صناعة نماذج بشرية مهيئة للانتحار والتضحية من أجل بقاء التنظيم ومشروعه الفكري.

 عسكرة الجماعة

في الحقيقة أن خطاب "صناعة الموت" لم يظل مجرد فكرة نظرية في كتابات ورسائل حسن البنا، بل انعكس سريعًا على البنية التنظيمية لجماعة الإخوان، إذ ترجم عمليًا في أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، من خلال تشكيل ما عرف بـ"النظام الخاص"، أو الجناح السري المسلح للجماعة، بناء على عقيدة قتالية قائمة على مبدأ السمع والطاعة، والتضحية المطلقة في سبيل التنظيم، وقد تورط في تنفيذ العديد من العمليات المسلحة ضد مؤسسات الدولة ورموزها السياسيين والتنفيذيين، مثل اغتيال القاضي أحمد الخازندار عام 1948، ورئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، وتفجير محكمة استئناف القاهرة.

وفقا للخطاب البناوي في مقالات ورسائل مؤسس الجماعة، مثل رسالة "المنهج" ورسالة "المؤتمر الخامس"، لم تكن هذه العمليات مجرد انحراف فكري أو تنظيمي كما حاولت بعض الروايات والسرديات الإخوانية تصويرها، بل جاءت في سياق فكري يشرعن للعنف باعتباره وسيلة حتمية للدفاع عن الجماعة والمشروع الإسلامي بشكل عام.

الطريق إلى التكفير 

ورغم أن خطاب حسن البنا لم يتضمن بشكل صريح نظرية "تكفير المجتمع" – في ظل المراوغة التي اتبعها دائما في أسلوبه -، فإن مفهوم "صناعة الموت" مهّد الطريق لظهور خطاب أكثر راديكالية وتطرفًا داخل الجماعة، لا سيما في ظل تنامي أفكار سيد قطب خلال ستينيات القرن الماضي.

ففي كتابه الشهير "معالم في الطريق"، سيذهب سيد قطب إلى أبعد من البنا، إذ يطرح فكرة "جاهلية المجتمع" ويؤكد ضرورة إقامة طليعة مؤمنة تقود حتمة الصدام أو الصراع ضد الواقع المحيط المتمثل في المجتمع والدولة ومؤسساتها، ومن ثم يلتقي خطاب "صناعة الموت" لحسن البنا، مع نظرية الصراع القطبية، ليشكلا معًا الأساس الفكري للحركات الأصولية المسلحة المعاصرة.

فإذا كان البنا قد مجّد "الموت" وصناعته في سبيل المشروع الإسلامي، فإن قطب أعاد تعريف "المجتمع" نفسه باعتباره خصمًا للمشروع الإسلامي، ما فتح الباب عمليًا أمام شرعنة العنف ضد الدولة والمجتمع معًا.

ومع صعود التيارات السلفية الجهادية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تحولت فكرة تمجيد "الموت" إلى عقيدة رئيسية داخل تنظيمات مثل القاعدة وداعش وجبهة النصرة وغيرهم، والتي لم تكتفِ بتبني فكرة "الشهادة"، بل أعادت إنتاجها في صورة أكثر تطرفًا، حيث أصبحت العمليات الانتحارية والانغماسية، أحد أبرز أدواتها القتالية.

يكتسب مقال "صناعة الموت" دلالة قوية في ظل عدم انفصاله عن الأدبيات التي طرحها البنا في رسائله حول مفاهيم الحاكمية والخلافة وحتمية الصدام، والتي أضحت جلية في الخطاب الديني السياسي للجماعة، من كونها أصلاً من أصول العقيدة، بناءً على ما ذكره في "رسالة المؤتمر الخامس" عام 1938: "وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع"، ما يستوجب وفق رؤية البنا ضرورة وفرضية "حتمية المواجهة" مع المجتمع بالقوة، موضحًا في رسالته كذلك أن "قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف".

  قراءة نصوص حسن البنا، وخاصة مقال "صناعة الموت"، تفتح الباب أمام فهم أعمق للبنية الفكرية التي حكمت مسار جماعة الإخوان منذ تأسيسها، والتي تبنت خلالها العنف سبيلًا من أجل الوصول إلى السلطة والسيطرة على مقاليد الدولة ومؤسساتها، وكذلك عقب سقوط حكم الجماعة في يونيو 2013 لم يكن تحولها إلى العمل النوعي المسلح مجرد أمر طارئ، وإنما جاء بناء على الإطار العقائدي القتالي التي رسخه البنا ومن ورائه سيد قطب ومن ساروا بالتبعية على نهجهما من مرشدي الجماعة وقيادات التنظيم القطبي.

  عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء