حلم غريب سبق المأساة.. قصة بكر الذي فقد ساقيه تحت عجلات القطار بالمنيا
تجلس الأم الثلاثينية نجلاء في صمت طويل، تردد كلماتها التي أصبحت دعاء يوميًا لابنها «دعوت الله كثيرًا ليشفيك ولا يريني فيك سوءا»، مسترجعة تفاصيل ليلة قاسية غيرت حياتها وحياة طفلها بكر، بعد أن دهسه القطار ليفقد ساقيه في حادث مأساوي هز قلوب من عرف قصته في محافظة المنيا.
بداية يوم عادي تحول إلى مأساة
تروي الأم تفاصيل الساعات التي سبقت الحادث قائلة إن بكر كان يعمل في بيع الخضروات لمساعدة أسرته رغم صغر سنه، وكان في يوم الحادث قد أنهى عمله مبكرًا واتصل بها ليخبرها أنه عاد إلى المنزل
وتضيف نجلاء «قال لي يا أمي أنا خلصت شغل وجاي البيت دلوقت، فقلت له أنا رايحة الشغل، رد عليّ وقال أنا هنزل أجيب أكل وأرجع»
غادرت الأم إلى عملها تاركة طفلها يذهب لشراء الطعام بعد يوم شاق من العمل، لكن دقائق قليلة كانت كفيلة بتحويل اليوم العادي إلى كارثة لم تكن تتخيلها
مكالمة غيرت كل شيء
أثناء عملها تلقت نجلاء اتصالًا هاتفيًا من زوجها يطلب منها التوجه بسرعة إلى المستشفى بسبب مرض أحد الأبناء، لكنها لم تكن تعلم أن المفاجأة الصادمة بانتظارها هناك
تقول الأم «وصلت المستشفى وفوجئت إن بكر داخل غرفة العمليات، وبعد دقائق خرج الطبيب وقال إن ابني لازم يتبتر له الساقين اليمنى واليسرى»
لحظات تصفها الأم بأنها الأصعب في حياتها، حيث شعرت بأن الكلمات اختفت من فمها وأن قلبها توقف من هول الصدمة
«كنت بجيب أكل والقطر جرجرني»
بعد ساعات طويلة خرج بكر من غرفة العمليات، لتجلس الأم بجواره محاولة معرفة ما حدث
تقول نجلاء إن طفلها أخبرها بتفاصيل الحادث قائلًا «كنت بجيب أكل وعديت من على الشريط، والقطر جرجرني تحت العجل، وملقيتش حد يساعدني»
كلمات قليلة لكنها كانت كفيلة بأن تمزق قلب الأم التي وصفت ذلك اليوم بأنه «أسود يوم في حياتها»، مؤكدة أن ابنها كان سندها رغم صغر سنه وكان يحب العمل ويساعد أسرته
حلم غريب قبل الحادث بيوم
المفاجأة التي زادت من دهشة الأم أن بكر أخبرها بحلم رآه قبل الحادث بيوم واحد وتقول «قال لي يا أمي أنا حلمت إن الجهاز اللي أنا لابسه دلوقتي كان موجود على قفص الطماطم وأنا واقف أبيع، كأنه كان حاسس باللي هيحصل»، ذلك الحلم ظل يلاحق الأم في ذاكرتها، وكأنه إنذار لم تفهم معناه إلا بعد وقوع الحادث
قلب توقف ثلاث مرات
لم تكن الجراحة نهاية المعاناة، فقد واجه بكر صراعًا جديدًا داخل غرفة العمليات، وتوضح الأم أن قلب طفلها توقف ثلاث مرات خلال ست ساعات فقط، بين الساعة الحادية عشرة صباحًا والخامسة مساءً، وفي كل مرة كان الأطباء يحاولون إنقاذه حتى يعود للحياة من جديد
وتضيف «الدكاترة كانوا يقولوا له شد حيلك، وكل مرة يرجع تاني، أنا اللي كان قلبي بيقف مش هو».
أم تحمل ابنها كأنه رضيع
بعد خروج بكر من المستشفى قررت الأم ألا تسمح للحزن بأن يهزم ابنها، وأصبحت تحمله يوميًا على كتفيها كما لو كان رضيعًا، متجهة به إلى صالة الألعاب الرياضية ليواصل ممارسة الرياضة التي يحبها
وتأمل الأم أن يتم تأهيله رياضيًا حتى ينضم إلى لاعبي اتحاد ذوي الإعاقة في منطقة المنيا، محاولة أن تعيد الأمل إلى قلبه بعد ما فقده في الحادث
وفي نهاية حديثها تردد نجلاء كلماتها التي تختصر الألم كله «بتر رجل بكر كأنهم قطعوا حتة من كبدي»
كما وجهت الشكر لكل من وقف بجوارها، خاصة المدير التنفيذي لنادي متحدي الإعاقة بالمنيا، وأهالي المنطقة الذين قدموا لها الدعم النفسي والمعنوي والمادي، ليبقى الأمل قائمًا في أن تتحول مأساة بكر إلى بداية جديدة لحياة مختلفة مليئة بالإرادة والتحدي.