تقرير لـ باستيت: تداعيات حرب إيران بالساحة العراقية
شهدت البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط تحولًا ملحوظًا مع اندلاع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في أواخر فبراير 2026. وقد بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل تنفيذ عمليات عسكرية جوية مشتركة استهدفت عددًا من المواقع داخل إيران، في إطار تصعيد عسكري غير مسبوق بين الأطراف الثلاثة خلال السنوات الأخيرة. وفي المقابل، ردّت إيران عبر توسيع نطاق الرد غير المباشر، من خلال إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه أهداف مرتبطة بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، إلى جانب تفعيل شبكات الحلفاء الإقليميين المرتبطين بها فى المنطقة.
في هذا السياق، تبرز أهمية مفهوم الحروب بالوكالة في تفسير طبيعة التفاعلات الإقليمية المصاحبة لهذا التصعيد. إذ تميل القوى الإقليمية والدولية، في كثير من الأحيان، إلى إدارة صراعاتها عبر ساحات وسيطة وأطراف محلية حليفة بدلًا من الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة واسعة النطاق. ويعد العراق إحدى أبرز هذه الساحات بحكم موقعه الجيوسياسي، وتركيبته السياسية والأمنية المعقدة، إضافة إلى وجود فاعلين مسلحين غير حكوميين يمتلكون ارتباطات إقليمية واضحة.
وفي خضم هذا التصعيد، برز العراق بوصفه إحدى الساحات الأكثر حساسية وتأثرًا بتداعيات هذه المواجهة الإقليمية. فالعراق يحتل موقعًا مركزيًا في معادلة الصراع، نظرًا لعدة عوامل متداخلة؛ أبرزها استمرار وجود قوات أمريكية على أراضيه ضمن مهام عسكرية واستشارية، وانتشار عدد من الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران أو القريبة منها أيديولوجيًا وسياسيًا، إضافة إلى الطبيعة الهشة للتوازنات السياسية والأمنية الداخلية. وقد جعلت هذه العوامل مجتمعة العراق بيئة قابلة للتأثر السريع بتداعيات التصعيد الإقليمي، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو المجتمعي.
وخلال الفترة الممتدة من أواخر فبراير 2026 وحتي الوقت الحالي، انعكست تطورات الحرب على الداخل العراقي عبر ثلاثة مسارات رئيسية. يتمثل المسار الأول في بروز احتجاجات شعبية في عدد من المدن العراقية تندد بالهجمات العسكرية على إيران وتعبّر عن رفض تحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح، وهو ما يعكس تفاعلًا مجتمعيًا مع تطورات الصراع الإقليمي. أما المسار الثاني، فيتجسد في تصاعد وتيرة الهجمات المحدودة التي نفذتها بعض الفصائل المسلحة العراقية ضد أهداف ومواقع يُعتقد أنها مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي داخل العراق، في إطار ردود غير مباشرة على الضربات التي استهدفت إيران. في المقابل، يتمثل المسار الثالث في محاولات الحكومة العراقية تبني سياسة احتواء حذرة، سعت من خلالها إلى منع انزلاق العراق إلى مواجهة مباشرة ضمن هذا الصراع، عبر ضبط إيقاع المواقف الرسمية والسعي إلى الحفاظ على توازن دقيق بين الضغوط الداخلية والاعتبارات الإقليمية والدولية.
انطلاقًا من ذلك، يهدف هذا التقرير إلى تقديم قراءة تحليلية للتفاعلات التي شهدها العراق خلال الفترة الممتدة من أواخر فبراير وحتى مارس 2026، من خلال تحليل المسارات الثلاثة المشار إليها: الاحتجاجات الشعبية، وأنشطة الفصائل المسلحة، وموقف الحكومة العراقية. كما يسعى التقرير إلى تقييم انعكاسات هذه التطورات على مستوى الاستقرار السياسي والأمني في العراق، ومدى قدرة الدولة العراقية على إدارة تداعيات الصراع الإقليمي المتصاعد على أراضيها.
الاطار المنهجي :
يعتمد هذا التقرير على منهج التحليل الوصفي-التحليلي لدراسة التفاعلات السياسية والأمنية التي شهدها العراق في سياق الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى خلال الفترة الممتدة من أواخر فبراير 2026 وحتى مارس/آذار 2026. ويُعد المنهج الوصفي التحليلي من المناهج الشائعة في دراسات العلوم السياسية والعلاقات الدولية، حيث يهدف إلى وصف الظواهر السياسية وتحليل أبعادها وتفسير العلاقات بين متغيراتها المختلفة (الجوهري و وآخرون، 2019)
ويرتكز التحليل على تتبع ثلاثة مستويات رئيسية للتفاعل داخل العراق، وهي:
1. المستوى المجتمعي، من خلال رصد الاحتجاجات الشعبية ومواقف الرأي العام تجاه التصعيد العسكري ضد إيران.
2. مستوى الجماعات او الفصائل المرتبطة بايران " الفاعلين المسلحين غير الحكوميين"، عبر تحليل أنماط التحركات والهجمات التي نفذتها بعض الفصائل المسلحة ضد أهداف مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي.
3. المستوى الحكومي الرسمي، من خلال دراسة مواقف الحكومة العراقية وسياساتها الهادفة إلى احتواء التصعيد ومنع انتقال الصراع الإقليمي إلى الداخل العراقي.
كما يعتمد التقرير على تحليل البيانات والمعلومات المستمدة من مصادر متعددة، تشمل التقارير الإخبارية، والبيانات الرسمية، وتحليلات مراكز الدراسات، بهدف تقديم قراءة تحليلية شاملة للتطورات الجارية .
اولاً: السياق الإقليمي وتأثير الحرب على الساحة العراقية
جاءت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران في سياق إقليمي يتسم بتصاعد الاستقطاب بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والجماعات المرتبطة بإيران من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، تمثل الساحة العراقية إحدى أهم نقاط الارتكاز لنفوذ طهران في المنطقة، نظرًا لوجود عدد من الفصائل المسلحة المرتبطة بها سياسيًا أو أيديولوجيًا أو عسكريًا، سواء ضمن بنية هيئة الحشد الشعبي أو خارجها.
ومع بدء العمليات العسكرية ضد إيران، اتسعت رقعة التوتر الإقليمي لتشمل أنماطًا من المواجهة غير المباشرة، تمثلت في استهداف المصالح والقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في عدة دول بالمنطقة، وفي مقدمتها العراق. وفي هذا السياق، أعلنت بعض الفصائل العراقية المسلحة تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ ضد مواقع عسكرية أمريكية، معتبرة أن هذه العمليات تأتي في إطار دعم إيران والرد على العمليات العسكرية التي تستهدفها (الجزيرة-نت، 2026)
كما شهدت مناطق في شمال العراق، ولا سيما محيط مطار أربيل الدولي الذي يستضيف قوات تابعة للتحالف الدولي، سلسلة من الهجمات والانفجارات المرتبطة باستخدام طائرات مسيّرة أو صواريخ قصيرة المدى، استهدفت مواقع يُعتقد أنها تستخدم من قبل القوات الأمريكية أو قوات التحالف. (Reuters، 2026)
ومع ذلك، تشير العديد من التقديرات والتحليلات إلى أن غالبية الفصائل المسلحة العراقية لا تسعى إلى الانخراط في مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة، إدراكًا منها لحجم الكلفة العسكرية والسياسية التي قد تترتب على مثل هذا التصعيد، سواء على مستوى الفصائل نفسها أو على مستوى الاستقرار الداخلي في العراق (Reuters، 2026)
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن العراق تحوّل خلال هذه المرحلة إلى ساحة تصعيد غير مباشر ومحدود، تسعى من خلالها الفصائل المسلحة إلى إظهار دعمها لإيران ضمن إطار ما يُعرف بسياسة الضغط التدريجي أو الرد المحسوب، دون الوصول إلى مستوى الانخراط الكامل في الحرب الإقليمية
ثانياً: الاحتجاجات الشعبية داخل العراق
بالتوازي مع التصعيد العسكري في المنطقة عقب اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، شهد العراق خلال الشهر الجاري موجة من الاحتجاجات الشعبية في عدد من المدن، ولا سيما في العاصمة بغداد وبعض مدن الوسط والجنوب ذات الغالبية الشيعية. وجاءت هذه الاحتجاجات في سياق التنديد بالهجمات العسكرية التي استهدفت إيران، وكذلك رفضًا لاحتمال انجرار العراق إلى تداعيات الحرب الإقليمية المتصاعدة.
وقد تركزت بعض هذه الاحتجاجات في العاصمة بغداد، حيث خرجت تجمعات شعبية بالقرب من مناطق مركزية، بما في ذلك محيط المنطقة الخضراء التي تضم مؤسسات حكومية ومقار دبلوماسية، من بينها السفارة الأمريكية. ورفع المتظاهرون شعارات تندد بالضربات العسكرية التي استهدفت إيران، كما طالب بعضهم بإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق، معتبرين أن استمرار هذا الوجود قد يجعل البلاد ساحة مباشرة للصراع بين الولايات المتحدة وإيران (Reuters، Protests and militia attacks raise tensions in Iraq amid regional war.، March2026)
كما تزامنت هذه الاحتجاجات مع تصاعد الهجمات التي استهدفت مواقع عسكرية أو مصالح مرتبطة بالولايات المتحدة داخل العراق حاليا، بما في ذلك هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت قواعد تضم قوات أمريكية أو تابعة للتحالف الدولي، وهو ما أسهم في رفع مستوى التوتر الداخلي ودفع قطاعات من الشارع العراقي إلى التفاعل مع التطورات الإقليمية عبر التظاهر والاحتجاج (الشرق-الأوسط، مارس2026)
ورغم أن هذه الاحتجاجات بدت في ظاهرها موحدة في رفض الحرب والتصعيد العسكري في المنطقة، فإنها لم تكن متجانسة من حيث دوافعها السياسية والاجتماعية. إذ يمكن التمييز بين عدة اتجاهات رئيسية داخل هذه الموجة الاحتجاجية:
أولًا، احتجاجات مدعومة من الفصائل المسلحة :برزت احتجاجات دعمتها أو شاركت في تنظيمها قوى سياسية أو جماعات مرتبطة بالفصائل المسلحة الموالية لإيران. وقد ركز هذا التيار على المطالبة بإخراج القوات الأمريكية من العراق، معتبرًا أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن البلاد وسيادتها، خاصة في ظل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران. وفي هذا السياق، سعت بعض هذه القوى إلى استثمار حالة الغضب الشعبي لتعزيز الضغط السياسي على الحكومة العراقية من أجل اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه واشنطن. (AlJazeera، March 2026)
ثانيًا، احتجاجات ذات طابع سيادي وقومي : ظهرت فئة من الاحتجاجات ذات طابع سيادي وقومي ركزت بشكل أساسي على رفض استخدام الأراضي العراقية كساحة للصراع بين القوى الدولية والإقليمية. وقد عبّر المحتجون في هذا الاتجاه عن مخاوفهم من أن يؤدي التصعيد العسكري المتبادل داخل العراق إلى تقويض الاستقرار الداخلي وإعادة البلاد إلى مرحلة من عدم الاستقرار الأمني، خصوصًا في ظل التجارب السابقة التي شهد فيها العراق صراعات بالوكالة بين قوى خارجية (Reuters، Drone and rocket attacks target US positions in Iraq amid regional escalation.، March2026)
ثالثًا،احتجاجات مرتبطة بالتنافس السياسي الداخلي: ارتبطت بعض التحركات الاحتجاجية بالسياق السياسي الداخلي في العراق، حيث حاولت بعض القوى السياسية توظيف الأزمة الإقليمية لتعزيز خطابها السياسي أو توسيع قاعدة دعمها الشعبي. ففي ظل استمرار حالة الاستقطاب بين القوى السياسية العراقية، أصبحت الحرب الدائرة في المنطقة عنصرًا إضافيًا في المنافسة السياسية الداخلية، سواء عبر تبني خطاب معارض للولايات المتحدة أو عبر الدعوة إلى تحييد العراق عن الصراع الإقليمي (الشرق-الأوسط، مارس2026)
وفي بعض الحالات، شهدت هذه الاحتجاجات احتكاكات محدودة مع قوات الأمن العراقية، خاصة عندما حاول بعض المتظاهرين الاقتراب من مناطق أمنية حساسة مثل المنطقة الخضراء أو مواقع دبلوماسية. وقد دفعت هذه التطورات قوات الأمن إلى فرض إجراءات أمنية مشددة في بعض مناطق بغداد، في محاولة لمنع تصاعد التوتر أو تحول الاحتجاجات إلى مواجهات واسعة (Reuters، Protests and militia attacks raise tensions in Iraq amid regional war.، March2026)
وبشكل عام، تعكس هذه الاحتجاجات حالة الانقسام داخل المجتمع العراقي حول كيفية التعامل مع الحرب الدائرة في المنطقة. ففي حين ترى بعض القوى السياسية والاجتماعية ضرورة دعم إيران في مواجهة الضغوط العسكرية الغربية، يفضل تيار آخر تبني سياسة الحياد الإقليمي والسعي إلى تحييد العراق عن تداعيات الصراع، تجنبًا لتحوله مجددًا إلى ساحة رئيسية للمواجهة بين القوى الدولية والإقليمية
ثالثاً: سلوك الفصائل العراقية تجاه الأهداف الأمريكية
تُعد الفصائل المسلحة العراقية أحد أبرز الفاعلين غير الحكوميين في سياق التصعيد الإقليمي المرتبط بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، نظرًا لما تمتلكه هذه الفصائل من قدرات عسكرية وشبكات تنظيمية، إضافة إلى علاقاتها السياسية والأيديولوجية الوثيقة بطهران. وقد لعبت هذه الفصائل دورًا محوريًا في توسيع نطاق المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران داخل الساحة العراقية.
فمنذ اندلاع الحرب، أعلنت مجموعات مسلحة تعمل تحت مسمى "المقاومة الإسلامية في العراق" مسؤوليتها عن تنفيذ سلسلة من الهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى، استهدفت قواعد عسكرية تضم قوات أمريكية أو تابعة للتحالف الدولي داخل العراق، إضافة إلى أهداف مرتبطة بالمصالح الأمريكية في المنطقة. وتضم هذه المظلة عددًا من الفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بإيران، من بينها كتائب حزب الله ، حركة النجباء ، كتائب سيد الشهداء وهي جماعات لعبت دورًا بارزًا في تنفيذ هجمات استهدفت مواقع عسكرية أمريكية في العراق خلال فترات التوتر الإقليمي.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن هذه الجماعات نفذت عددًا متزايدًا من العمليات العسكرية خلال الاسبوع الاول من التصعيد في مارس 2026، في إطار ما وصفته بـ"الرد على العدوان ضد إيران (الجزيرة-نت، 2026)
وفي هذا السياق، يمكن تفسير سلوك الفصائل المسلحة العراقية تجاه الأهداف الأمريكية في ضوء مجموعة من الأهداف الاستراتيجية والسياسية:
أولًا، تسعى هذه العمليات إلى ممارسة ضغط عسكري وسياسي على الولايات المتحدة، بهدف دفعها إلى تقليص أو وقف عملياتها العسكرية ضد إيران. إذ تحاول الفصائل نقل جزء من تكلفة الحرب إلى الساحة الإقليمية، عبر استهداف القوات الأمريكية المنتشرة في العراق والمنطقة، بما يعكس استراتيجية توسيع نطاق الرد غير المباشر على الضربات العسكرية التي تستهدف إيران (Reuters، Protests and militia attacks raise tensions in Iraq amid regional war.، March2026)
ثانيًا، ترتبط هذه الهجمات بمحاولة إظهار التضامن مع إيران ضمن إطار ما يُعرف بالجماعات المرتبطة بايران الذي يضم عددًا من الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران في المنطقة. وفي هذا الإطار، تحرص الفصائل العراقية على تقديم نفسها كجزء من جبهة إقليمية أوسع تسعى إلى مواجهة النفوذ العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط (The-Guardian، 2026 )
ثالثًا، تسعى بعض الفصائل إلى توظيف هذه العمليات لتعزيز شرعيتها السياسية داخل العراق، من خلال تبني خطاب "مقاومة الوجود العسكري الأمريكي". ويُنظر إلى هذا الخطاب كأداة تعبئة سياسية وشعبية، خاصة بين القواعد الاجتماعية المرتبطة بالفصائل المسلحة أو القوى السياسية القريبة منها . (الشرق-الأوسط، مارس2026)
ومع ذلك، تشير العديد من التقديرات والتحليلات إلى أن سلوك الفصائل المسلحة العراقية يتسم بدرجة من الحذر الاستراتيجي، حيث تتبنى بعض هذه الجماعات ما يمكن وصفه بسياسة "التصعيد المحسوب". فبينما تستمر في تنفيذ هجمات ضد أهداف أمريكية، تحرص في الوقت نفسه على إبقاء مستوى العمليات ضمن نطاق محدود نسبيًا، بما يقلل من احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية واسعة مع الولايات المتحدة.
ويعكس هذا النهج إدراكًا لدى بعض الفصائل بأن أي تصعيد واسع النطاق قد يدفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات عسكرية مباشرة ضد مواقعها وبناها العسكرية داخل العراق، وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف قدراتها التنظيمية والعسكرية بشكل كبير (BBC، 2026)
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن سلوك الفصائل العراقية خلال هذه المرحلة يعكس محاولة تحقيق توازن دقيق بين إظهار الدعم لإيران والمشاركة في الضغط على الولايات المتحدة من جهة، وتجنب الانخراط في حرب مفتوحة قد تكون لها تداعيات خطيرة على وجودها العسكري والسياسي داخل العراق من جهة أخرى.
رابعاً: موقف الحكومة العراقية:
تواجه الحكومة العراقية وضعًا بالغ التعقيد في ظل التصعيد الإقليمي المرتبط بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، إذ تجد بغداد نفسها أمام معادلة سياسية وأمنية حساسة تتطلب الموازنة بين علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة من جهة، والضغوط الداخلية التي تمارسها قوى سياسية وفصائل مسلحة قريبة من إيران من جهة أخرى. وفي هذا السياق، سعت الحكومة العراقية إلى تبني مقاربة تقوم على احتواء التصعيد ومنع انتقال المواجهة الإقليمية إلى داخل الأراضي العراقية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقاتها مع مختلف الأطراف الفاعلة في الأزمة (الجزيرة-نت، العراق يشدد الإجراءات الأمنية حول المنطقة الخضراء مع تصاعد التوتر الإقليمي.، مارس2026)
1- محاولة منع التصعيد
في إطار مساعيها للحفاظ على الاستقرار الداخلي، اتخذت الحكومة العراقية مجموعة من الإجراءات الأمنية الهادفة إلى الحد من احتمالات التصعيد. فقد عملت السلطات على تشديد الإجراءات الأمنية في العاصمة بغداد، ولا سيما في محيط المنطقة الخضراء التي تضم مقار حكومية وبعثات دبلوماسية من بينها السفارة الأمريكية. كما قامت قوات الأمن بتعزيز انتشارها في عدد من المناطق الحساسة لمنع وصول المتظاهرين إلى المواقع الدبلوماسية أو حدوث احتكاكات قد تؤدي إلى تفاقم التوترات الأمنية (BBC، 2026)
كذلك سعت الحكومة إلى احتواء الاحتجاجات الشعبية المرتبطة بالتصعيد الإقليمي، عبر فرض إجراءات أمنية وتنظيم حركة التظاهر، بهدف منع تحول هذه الاحتجاجات إلى مواجهات عنيفة قد تهدد الاستقرار الداخلي في البلاد (Reuters، Iraq seeks to contain escalation after attacks on U.S. positions، 2026)
2- الاحتجاج الدبلوماسي
في الوقت نفسه، اتبعت الحكومة العراقية مسارًا دبلوماسيًا للتعبير عن اعتراضها على بعض العمليات العسكرية التي استهدفت مواقع لفصائل عراقية داخل الأراضي العراقية. فقد أعلنت بغداد في عدة مناسبات احتجاجها على الضربات الأمريكية التي طالت مواقع تابعة لفصائل مسلحة، معتبرة أن تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي العراقية دون تنسيق مع الحكومة يمثل انتهاكًا للسيادة الوطنية ويهدد استقرار البلاد (الشرق-الأوسط، بغداد تحتج على ضربات استهدفت فصائل عراقية وتؤكد رفض انتهاك السيادة، 2026)
كما أكدت السلطات العراقية في بيانات رسمية ضرورة احترام سيادة العراق وعدم استخدام أراضيه كساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية، مشددة على أهمية احتواء التصعيد العسكري في المنطقة (العربية-نت، مارس2026)
3- الحفاظ على سياسة التوازن
بشكل عام، يمكن توصيف موقف الحكومة العراقية خلال هذه الأزمة بأنه يقوم على تبني سياسة توازن بين واشنطن وطهران. فمن جهة، تحرص بغداد على استمرار التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، التي تعد شريكًا رئيسيًا في دعم القوات العراقية وتدريبها في إطار جهود مكافحة تنظيم داعش ومنع عودته مجددًا إلى النشاط المسلح داخل العراق ، ومن جهة أخرى، تحاول الحكومة تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، نظرًا لما تمتلكه هذه الفصائل من نفوذ سياسي وعسكري مؤثر داخل المشهد العراقي.
وفي هذا الإطار، تشير تحليلات سياسية إلى أن الحكومة العراقية تسعى إلى الحد من توسع الهجمات التي تنفذها الفصائل المسلحة ضد الأهداف الأمريكية، مع تجنب اتخاذ إجراءات قد تؤدي إلى صدام مباشر معها، وهو ما يعكس محاولة للحفاظ على قدر من التوازن في العلاقات الإقليمية والدولية للعراق في ظل بيئة إقليمية شديدة التوتر. (BBC, Iraq walks diplomatic tightrope amid U.S.–Iran escalation, March2026)
خامسا: السيناريوهات المحتملة لتطور الأزمة في العراق
1- سيناريو التصعيد المحدود
يفترض هذا السيناريو استمرار الهجمات التي تنفذها الفصائل المسلحة ضد الأهداف الأمريكية داخل العراق، ولكن ضمن مستوى محدود ومحسوب لا يؤدي إلى اندلاع مواجهة عسكرية واسعة. ويُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، إذ يسمح للفصائل بإظهار دعمها لإيران دون المخاطرة بالدخول في حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة (Reuters، Iran-aligned militias escalate attacks on U.S. bases in Iraq، 2026)
2- سيناريو التصعيد الواسع
قد يؤدي استمرار الحرب الإقليمية أو توسعها إلى تصعيد أكبر داخل العراق، بما يشمل زيادة الهجمات على القواعد الأمريكية أو تنفيذ ضربات أمريكية واسعة ضد مواقع الفصائل المسلحة. وفي هذه الحالة، قد يتحول العراق إلى ساحة رئيسية للمواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما قد يهدد الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد (AlJazeera، March 2026)
3- سيناريو الاحتواء والتهدئة
يقوم هذا السيناريو على نجاح الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية في احتواء التصعيد العسكري في المنطقة، بما ينعكس على خفض مستوى التوتر داخل العراق. وفي هذه الحالة قد تتراجع الهجمات التي تستهدف القواعد الأمريكية، مع استمرار الحكومة العراقية في تبني سياسة التوازن بين واشنطن وطهران للحفاظ على الاستقرار الداخلي (BBC، Iraq walks diplomatic tightrope amid U.S.–Iran escalation، March2026)
تقدير الموقف : تشير المعطيات الحالية إلى أن العراق سيظل خلال المرحلة المقبلة إحدى الساحات الرئيسية للتفاعلات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل استمرار الوجود العسكري الأمريكي من جهة، واستمرار نشاط الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران من جهة أخرى. ومع ذلك، يبدو أن الأطراف المختلفة تسعى حتى الآن إلى إبقاء مستوى التصعيد ضمن حدود محدودة، بما يقلل من احتمالات تحول العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة، وإن كان ذلك لا يمنع من بقاء خطر التصعيد قائمًا في حال توسعت الحرب الإقليمية.
خاتمة
تكشف التطورات التي شهدها العراق منذ أواخر فبراير/شباط وحتى مارس/آذار 2026 عن مدى تأثر الساحة العراقية بالتحولات الجيوسياسية الأوسع في الشرق الأوسط، خاصة في ظل التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فقد أظهرت هذه المرحلة أن العراق ما زال يمثل إحدى الساحات الأكثر حساسية في الصراعات الإقليمية، نظرًا لتداخل العوامل الداخلية مع التوازنات الإقليمية والدولية المؤثرة في المشهد السياسي والأمني داخل البلاد.
وقد بيّن التحليل أن تداعيات الحرب انعكست على الداخل العراقي عبر ثلاثة مسارات رئيسية. تمثل المسار الأول في التفاعل المجتمعي مع التصعيد الإقليمي، حيث شهدت بعض المدن العراقية موجة من الاحتجاجات التي عبّرت عن مواقف متباينة تجاه الحرب، بين تيارات تدعو إلى دعم إيران ومقاومة الوجود العسكري الأمريكي، وأخرى تركز على ضرورة تحييد العراق عن الصراعات الإقليمية والحفاظ على استقراره الداخلي. أما المسار الثاني، فقد تمثل في تصاعد أنشطة بعض الفصائل المسلحة العراقية التي استهدفت مواقع مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي، في إطار ما يمكن وصفه بسياسة "الرد غير المباشر" أو "التصعيد المحسوب"، بما يعكس محاولة موازنة بين دعم إيران وتجنب الانخراط في مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة.
في المقابل، أظهر المسار الثالث المتعلق بموقف الحكومة العراقية محاولة واضحة لإدارة الأزمة من خلال تبني سياسة احتواء حذرة، تقوم على منع انتقال الصراع الإقليمي إلى الداخل العراقي والحفاظ على قدر من التوازن في العلاقات الخارجية للعراق. فقد سعت الحكومة إلى الحد من التصعيد الأمني عبر إجراءات داخلية، بالتوازي مع تبني خطاب دبلوماسي يؤكد على ضرورة احترام سيادة العراق وعدم استخدام أراضيه كساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
ومع ذلك، تشير مجمل المعطيات إلى أن قدرة العراق على تحييد نفسه عن تداعيات الصراع الإقليمي تظل محدودة، في ظل استمرار وجود قوى مسلحة غير حكومية تمتلك ارتباطات إقليمية، إضافة إلى استمرار الوجود العسكري الأمريكي في البلاد، وهو ما يجعل العراق عرضة للتأثر بأي تصعيد إضافي في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن مستقبل الاستقرار في العراق خلال المرحلة المقبلة سيظل مرتبطًا إلى حد كبير بمسار التطورات الإقليمية الأوسع، وكذلك بمدى قدرة الدولة العراقية على إدارة التوازنات الداخلية المعقدة واحتواء أنشطة الفاعلين المسلحين غير الحكوميين. وفي هذا الإطار، تبرز السيناريوهات المطروحة في هذا التقرير بوصفها احتمالات واقعية لمسار الأزمة، تتراوح بين استمرار التصعيد المحدود، أو اتساع نطاق المواجهة داخل العراق، أو نجاح الجهود الدبلوماسية في احتواء التوتر الإقليمي وتقليل انعكاساته على الساحة العراقية.
د. هند خيري دكتوراة علوم سياسية - باحث مصر