رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

 

حين قال الفيلسوف اليوناني هيرقليطس إن الإنسان لا ينزل النهر مرتين، لم يكن يقصد الماء فحسب، كان يتحدث عن طبيعة العالم المتغير، فالنهر يتبدل ماؤه باستمرار، والإنسان والكون بأكمله يتغير في كل لحظة. هذه الحكمة القديمة تبدو اليوم أقرب ما تكون إلى تفسير عميق لمسار الحروب في التاريخ الحديث، خاصة الحروب التي خاضتها أمريكا في مناطق مختلفة من العالم. فالتاريخ العسكري والسياسي يعلمنا أن الحرب ليست معادلة رياضية قابلة للتكرار، بل ظاهرة إنسانية معقدة تتغير عناصرها مع تغير الزمان والمكان والفاعلين.

خاضت أمريكا خلال العقود الماضية حروبًا عديدة ظنت في بداياتها أنها ستكون سريعة وحاسمة. في حرب فيتنام، دخلت القوة العسكرية الأكبر في العالم وهي تمتلك تفوقًا تكنولوجيًا هائلًا، لكنها واجهت واقعًا مختلفًا تمامًا عما تصورته استراتيجياتها. لم تكن الحرب هناك مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كانت صراع إرادات وهوية سياسية واجتماعية، الأمر الذي جعل النتائج النهائية بعيدة عن التوقعات الأمريكية، حيث انتصرت فيتنام سياسيًا وخرجت ببلادها موحدة بدون أن تحقق أمريكا هدفها بتقسيم فيتنام إلى شمالية وجنوبية كما فعلت في كوريا.

المشهد تكرر بصورة أخرى في العراق. حين بدأت الحرب عام 2003 بدا وكأن التفوق العسكري الأمريكي سيحسم المعركة خلال أيام، وهو ما حدث بالفعل من الناحية العسكرية المباشرة، لكن الحرب الحقيقية لم تكن فقط في إسقاط نظام سياسي، بل في إدارة واقع اجتماعي وسياسي معقد. خرج العراق من تلك التجربة مثقلًا بالجراح والانقسامات، لكن المشروع السياسي الذي تصورت واشنطن أنه سيولد من رحم الحرب لم يتحقق بالشكل الذي أرادته.

في كل مرة كانت أمريكا تدخل حربًا جديدة وهي تحمل في ذهنها تجاربها السابقة، وكأن التاريخ يمكن أن يعاد تطبيقه كخطة جاهزة. غير أن طبيعة الصراعات الدولية تثبت العكس تمامًا. فكل حرب تنشأ داخل منظومة مختلفة من التوازنات الإقليمية والدولية، وتتشكل داخل سياق ثقافي وسياسي خاص لا يمكن نسخه أو استنساخه.

المقارنة مع الحرب الحالية بين أمريكا وإيران مثال واضح على هذه الحقيقة. إيران ليست فيتنام، وليست العراق، كما أن البيئة الإقليمية المحيطة بها مختلفة جذريًا. إنها دولة تمتلك بنية سياسية مستقرة بشكل عام أو بنسبة كبيرة، وتملك شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية، وخبرة طويلة في إدارة الصراعات. لذلك فأي مواجهة معها لا يمكن فهمها بمنطق الحروب التقليدية.

أظهرت الأحداث أن الحسابات العسكرية وحدها لا تكفي لفهم توازن القوة في الشرق الأوسط. فالقوة في هذه المنطقة ليست مجرد طائرات وصواريخ، بل قدرة على التحمل السياسي، وإدارة الصراع ضمن شبكة معقدة من التحالفات والمصالح. لهذا فإن نتائج أي مواجهة لا تأتي دائمًا وفق التوقعات الأولية للقوى الكبرى.

هنا تعود حكمة هيرقليطس لتفرض نفسها مرة أخرى. فالتاريخ لا يسير في خطوط مستقيمة، والحروب لا تتكرر كما تتكرر الفصول. كل حرب هي نهر جديد، وكل دولة تدخل هذا النهر تجد نفسها في واقع مختلف عما عرفته من قبل. من يظن أن تجربة الأمس يمكن أن تعطيه وصفة جاهزة لنتائج الغد، قد يكتشف متأخرًا أن العالم تغير، وأن الماء الذي يجري أمامه لم يعد هو نفسه الذي جرى من قبل. إن القوة مهما بلغت لا تستطيع أن تفرض على التاريخ أن يكرر نفسه. فالتاريخ، مثل النهر، يمضي دائمًا إلى الأمام، حاملًا معه مفاجآت لا تتشابه مرتين.

يمكن تطبيق هذا المثال على قوى تاريخية كثيرة، لأن ظاهرة تكرار الحروب مع توقع نتائج متشابهة ليست خاصة بأمريكا وحدها، بل سلوك تكرر عبر التاريخ لدى إمبراطوريات وقوى كبرى عديدة. كل قوة كبرى حين تبلغ ذروة تفوقها العسكري تميل إلى الاعتقاد بأن تجربتها السابقة في الحروب تصلح نموذجًا يمكن تكراره، لكنها غالبًا ما تصطدم بحقيقة أن الظروف التاريخية تتغير وأن خصومها يتغيرون. توسعت الإمبراطورية الرومانية لقرون طويلة اعتمادًا على تفوقها العسكري والتنظيمي. نجحت جيوشها في إخضاع مناطق واسعة من أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما خلق لدى النخبة الرومانية شعورًا بأن آلة الحرب الرومانية قادرة دائمًا على فرض إرادتها. مع مرور الزمن بدأت روما تواجه شعوبًا وقوى مختلفة في طبيعتها وتنظيمها، مثل القبائل الجرمانية، ولم تعد المعادلة القديمة تعمل بالطريقة نفسها. فالحروب التي نجحت فيها روما في القرن الأول لم تعد تحقق النتائج ذاتها في القرون اللاحقة.

المثال ذاته ينطبق على الإمبراطورية البريطانية. في القرن التاسع عشر كانت بريطانيا القوة البحرية الأعظم في العالم، استطاعت عبر أسطولها الضخم فرض نفوذها على مساحات شاسعة من العالم. لكن حين دخلت في صراعات القرن العشرين تغيرت طبيعة الحروب جذريًا. الحربان العالميتان أظهرتا أن التفوق البحري وحده لم يعد كافيًا للحفاظ على الإمبراطورية، وأن عالم السياسة الدولية دخل مرحلة مختلفة تمامًا.

يعود بنا الأمر إلى الحكمة الفلسفية القديمة التي ذكرتها. التاريخ، مثل النهر الذي تحدث عنه هيرقليطس، يتغير باستمرار. والقوى التي تتعامل مع العالم وكأنه ثابت ستكتشف متأخرة أن خصومها، والبيئة السياسية، وحتى معنى الحرب نفسه قد تغير، لكن يكون حتمًا على من تغاضى عن حكمة هيرقليطس أن يسدد الثمن.

ر
فعت رشاد

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء