النجاة قبل الولاء.. لماذا يتريث الحوثي حتى الآن رغم أيديهم على الزناد؟
تتداول تساؤلات كثيرة حول صمت جماعة الحوثي حتى الآن منذ اندلاع الضربات الأمريكيةـ الإسرائيلية الواسعة على إيران في 28 فبراير2026، والتي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد كبير من قادة الحرس الثوري، يثير صمت جماعة أنصار الله (الحوثي) في اليمن تساؤلات واسعة.
رغم دورهم البارز خلال "حرب الـ12 يوم" في يونيو 2025، حيث أطلقوا صواريخ باليستية على إسرائيل بالتنسيق مع طهران، لم تشهد الأسابيع الأولى من الصراع الحالي أي هجمات حوثية مباشرة على أهداف أمريكية أو إسرائيلية، رغم الخطاب الداعم لإيران.
وقف إطلاق نار مع أمريكا 2025

في مايو2025، توصلت الجماعة إلى اتفاق وقف إطلاق نار مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر وساطة عُمانية.
نص الاتفاق على وقف الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر والمصالح الأمريكية، مقابل توقف الضربات الجوية الأمريكية ضد أهداف الجماعة.
هذا الهدوء النسبي استمر حتى أواخر 2025، مع توقف شبه كامل للهجمات على إسرائيل بعد دخول وقف إطلاق نار في غزة حيز التنفيذ في أكتوبر الأول 2025.
أسباب الصمت الحالي

تشير تقارير وتحليلات متخصصة إلى أن الحوثيين يتبعون استراتيجية "الحذر الاستراتيجي"،
ومن أبرز الأسباب:
ـ الحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار مع واشنطن
يرى محللون أن الجماعة تخشى خرق الاتفاق، الذي أوقف حملة أمريكية مكثفة استمرت أشهراً في 2025، وأدت إلى خسائر كبيرة في صفوف قياداتها العسكرية.
ـ تجديد الضربات الأمريكية قد يعرض سيطرتهم على صنعاء ومناطق واسعة في الشمال للخطر، خاصة مع تركيزهم على تعزيز السلطة الداخلية في ظل أزمات اقتصادية وإنسانية خانقة.
ـ دروس الضربات السابقة وفقدان قيادات
تعرضت الجماعة لضربات إسرائيلية وأمريكية "قاطعة رأس" في 2025، أدت إلى مقتل قادة عسكريين بارزين.
هذا الواقع يجبرهم على إعادة تقييم قدراتهم، مع التركيز على تجنب ردود فعل إسرائيلية-أمريكية مباشرة قد تكون مدمرة.
التنسيق مع طهران وإدارة التوقيت
أكد زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في خطابات حديثة أن "أيديهم على الزناد"، لكنه ربط أي تحرك بـ"مقتضيات التطورات" وتوجيهات إيران.
يرى مراقبون أن الصمت جزء من استراتيجية إيرانية لإدارة التصعيد تدريجياً، مع الاحتفاظ بالجبهة اليمنية كـ"احتياطي استراتيجي"، خاصة لتهديد مضيق باب المندب وطرق الملاحة العالمية إذا طال أمد الصراع أو اقتربت قوات أمريكية-إسرائيلية من غزو بري.
الفراغ القيادي في إيران
مقتل خامنئي أحدث فراغاً في "محور المقاومة"، مما أدى إلى شلل مؤقت في التنسيق الإقليمي.
هذا الوضع يجعل الحوثي ينتظرون إشارات واضحة من القيادة الإيرانية الجديدة.
مقارنة مع حرب الـ12 يوم (يونيو 2025)
في تلك الحرب القصيرة، شارك الحوثي بشكل رمزي نسبياً (صواريخ على إسرائيل)، لكن السياق كان مختلفاً: الصراع محدود، والتنسيق مع الحرس الثوري أكثر سلاسة، والأولوية كانت التضامن مع غزة.
اليوم، الصراع أوسع وأكثر خطورة، مع مخاطر وجودية على الجماعة نفسها، مما يفسر التريث.
الوضع مستقبلا
رغم الصمت العسكري، تستمر الجماعة في التعبئة الشعبية والخطاب الداعم لإيران، مع تقارير عن استعدادات لوجستية. مصادر إسرائيلية وأمريكية تعبر عن "دهشة" من عدم التدخل حتى الآن، لكنها تتوقع إمكانية انخراط لاحق، ربما عبر هجمات على سفن في البحر الأحمر أو أهداف في الخليج.
بعض التقارير تشير إلى أن الجماعة قد تكون تنتظر أوامر مباشرة من طهران أو لحظة تحول نوعي في الصراع.
الحذر التكتيكي
يبدو صمت الحوثي حتى الآن مزيجاً من الحذر التكتيكي، الحفاظ على مكتسبات داخلية، والتنسيق الاستراتيجي مع إيران. هذا الصمت ليس تخلياً عن "محور المقاومة"، بل إدارة محسوبة للمخاطر في ظل توازن قوى متغير.
إلا أن أي تصعيد إيراني أكبر أو انهيار الهدنة مع واشنطن قد يغير المعادلة بسرعة، محولاً الجبهة اليمنية إلى ساحة رئيسية مجدداً.