ثورة التعليم العالي لفك شفرة المستقبل وإنهاء زمن «شهادات البطالة»|خاص
لم تعد قضية التعليم العالي في مصر مجرد أروقة أكاديمية ومنح شهادات، بل تحولت إلى قضية أمن قومي واقتصادي تتصدر اهتمامات القيادة السياسية.
ولعل التوجيهات الأخيرة للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لم تكن مجرد نصائح عابرة، بل هي "إعلان حالة طوارئ" تعليمية لإعادة صياغة مستقبل الأجيال، لاسيما وان الوقوف على حافة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يستوجب بتر السياسات البالية التي أغرقت سوق العمل بخريجين يحملون مؤهلات لا تجد لها مكاناً في واقع الدولة الجديد، لتبدأ وزارة التعليم العالي في تنفيذ استراتيجية "العبور نحو التكنولوجيا" لغلق الفجوة بين أحلام الطلاب ومتطلبات التنمية.
تحذير الرئيس وجرس الإنذار
لم تكن توجيهات الرئيس بإعادة النظر في سياسات القبول في الجامعات هي الأولى، فقد سبق ذلك توجيهات سابقة خلال افتتاح "مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية P1" في أبريل من عام 2024.
وعندما تحدث الرئيس بلهجة حازمة عن ضرورة التركيز على تخصصات المستقبل بدلا من التكدس في الكليات النظرية مثل الآداب، متسائلاً بلسان حال الدولة: "قاعدين كلكم تدخلوا ولادكم آداب وتجارة وحقوق، مع كل التقدير، طب هيطلع يشتغل إيه؟ والابن يبقى زعلان مني وزعلان من الحكومة يقول ما بتشغلوناش ليه؟".
هذه الكلمات المعدودة لخصت أزمة يعيشها معظم الخريجين، وهي بمثابة "جرس إنذار" عن خلل عميق في منظومة القبول الجامعي يستلزم إعادة الحسابات مرة أخرى، وهي المسؤولية التي تقع الآن على عاتق المجلس الأعلى للجامعات ووزارة التعليم العالي ومكتب التنسيق؛ لاسيما والدولة تضخ استثمارات ضخمة في مشروعات قومية تتطلب خريجاً بمواصفات "الفني الحرفي" أو "التكنولوجي"، حيث إن وظيفة المستقبل لم تعد تقتصر على تخصص أو كلية بعينها.
لغة الأرقام الصادمة.. واقع القطاع النظري
تؤكد الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن أكثر من 76% من خريجي الجامعات الحكومية المصرية عام 2022 قد تخرجوا من كليات نظرية، مقابل نحو 24% فقط من الكليات العملية. وبالنظر إلى الخمس سنوات الأخيرة، نجد أن الكليات النظرية خرجت أكثر من مليون و750 ألف طالب (بنسبة 77%)، بينما لم تتجاوز نسبة خريجي الكليات العملية 23%.
وتشير الأرقام إلى أن كليات الحقوق، التجارة، الآداب، الخدمة الاجتماعية، ودار العلوم، تقبل سنوياً ما بين 450 ألفاً إلى 500 ألف طالب، من بينهم نحو 100 ألف طالب بنظام الانتساب.
وتؤكد إحصائيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن 72% من إجمالي طلاب الجامعات مقيدون بالقطاع النظري، وهو ما يفسر صعوبة الحصول على فرص عمل، خاصة وأن التصنيفات الجامعية الحديثة أصبحت تعتمد على "نسبة التوظيف" ودمج الخريجين في سوق العمل خلال 6 أشهر من التخرج.
تحركات الوزارة ومخطط "توزيع الثانوية العامة"
وحسب مصادر بوزارة التعليم العالى ، فأن الوزارة انتهجت سياسة التوسع في التخصصات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، علوم الحاسب، الحوسبة، التكنولوجيا، وعلوم الأغذية.
وتشير المصادر إلى ان الوزارة تعمل احالياً على محورين:الاول ويتمثل فى إكساب المهارات من خلال 30 مركز توظيف بالجامعات لدعم الطلاب المقيدين حالياً بدورات تمكنهم من المنافسة.
اما المحور الثانى وبحسب المصادر ينمثل فى تفعيل القرار السابق بتشكيل لجنة لوضع دراسة ومخطط لإعادة توزيع طلاب الثانوية العامة على الكليات، بهدف تخفيض الأعداد في الكليات النظرية، وإلغاء نظام الانتساب، وزيادة أعداد الدارسين في كليات الزراعة والحاسبات والاستزراع السمكي.
وبحسب دراسة علمية حول احتياجات سوق العمل وتأثيرات الذكاء الاصطناعي وتطبيق CHAT GPT، والتي أكدت أن التطور الرهيب سيؤدي لفقدان عشرات الوظائف التقليدية.
وأوضحت الدراسة أرقاماً مفزعة؛ حيث يتخرج نحو 100 ألف طالب سنوياً من كليات الحقوق دون حاجة حقيقية لهم. كما امتدت الأزمة للكليات العملية؛ ففي قطاع الصيدلة، المعدل العالمي هو صيدلي لكل 1100 مواطن، بينما في مصر لدينا صيدلي لكل 10 مواطنين (أكثر من 5 أضعاف النسبة العالمية). كما تعاني مهنة الهندسة من زيادة العرض عن الطلب وارتفاع البطالة نتيجة التوسع غير المدروس في الكليات والمعاهد الهندسية.
استراتيجية 2030 ومراكز التطوير المهني
وأكد الدكتور عادل عبد الغفار، المتحدث الرسمي لوزارة التعليم العالي، أن الوزارة اتخذت خطوات جادة لربط التعليم بسوق العمل وفق رؤية مصر 2030. وتضمنت هذه الخطوات إنشاء 37 مركزاً جامعيًا للتطوير المهني في 29 جامعة كمرحلة أولى، مع مستهدف للوصول إلى 46 مركزاً هذا العام ليشمل الجامعات الأهلية والتكنولوجية، وذلك بموازنة قدرها 63 مليون دولار بالتعاون مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتهدف هذه المراكز وسد الفجوة من خلال إجراء مسوحات ميدانية وعقد شراكات مع أصحاب الأعمال لتطوير المناهج وفق المبادرة الرئاسية "تحالف وتنمية".
رؤية الخبراء.. بين "الثورة التعليمية" والتحديات المجتمعية
ويرى الدكتورعبد الباسط صديق استاذ متفرغ بجامعة الإسكندرية، أنه مطلوب قرار من المجلس الأعلى للجامعات بتخفيض القبول في الكليات النظرية، ليتماشى مع توجيهات الرئيس لتحسين الجودة وتلبية احتياجات السوق.
ويؤكد أن الفائض في الخريجين النظريين يقابله نقص في الكفاءات الفنية، مما يرفع معدلات البطالة، مرجحا أن يوفر القرار بيئة تعليمية أفضل ويزيد من التنافسية الاقتصادية، لكنه أشار إلى تحديات مثل الحاجة لتغيير "الثقافة المجتمعية" التي تفضل الكليات النظرية، وضرورة توفير بنية تحتية وتجهيزات تعليمية حديثة للكليات العملية المستحدثة.
بينما يتساءل الدكتور محمد كمال أستاذ الأخلاق بجامعة القاهرة:هل نستهدف شهادة أم فرصة عمل؟ مؤكداً أنه لا يمكن إهدار عشرات المليارات من موارد الدولة في تعليم طلاب لن يستفيد منهم المجتمع.
ويدعو “ كمال” لقرارات "ثورية" ليكون القبول طبقاً للسوق، مشيراً إلى مفارقة عجيبة: أن نسبة طلاب الكليات العملية في الجامعات الخاصة والأهلية تبلغ 71% (لأن الطالب يبحث عن وظيفة حين يدفع من ماله)، بينما في الحكومي يهرب الأغلبية للكليات النظرية بنسبة 76%.
ويثمن "كمال" اتجاه الدولة لإنشاء 10 جامعات تكنولوجية تقدم تخصصات نادرة مثل: (الميكاترونكس، أنظمة التحكم، صناعة السفن، والأجهزة الطبية)، مؤكداً أن هذه التخصصات ستسد العجز المحلي وتعيد للعمالة المصرية مكانتها الإقليمية لتصبح مورداً للعملة الصعبة.
- # الرئيس عبد الفتاح السيسى
- # القيادة السياسية
- # لرئيس عبد الفتاح السيسي
- # وزارة التعليم
- # التعليم العالي
- # فرص عمل
- # مستقبل الأجيال
- # معدلات البطالة
- # سياسات القبول في الجامعات
- # تخصصات المستقبل
- # الكليات النظرية
- # منظومة القبول الجامعي
- # المجلس الأعلى للجامعات
- # وزارة التعليم العالي
- # مكتب التنسيق
- # الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء
- # سوق العمل