رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بعد تهديدات ترامب.. ماذا سيخسر النظام الكوبي إذا سقطت إيران؟

دياز يعزي في خامنئي
دياز يعزي في خامنئي

في رقعة الشطرنج الجيوسياسية المعقدة، لا تقتصر التحالفات على لغة الأرقام والمصالح الاقتصادية البحتة، بل تمتد لتشكل شبكات نجاة أيديولوجية واستراتيجية للأنظمة المحاصرة،  واليوم، في ظل تصاعد وتيرة الهجوم العسكري الأمريكي والإسرائيلي الذي يهدد بقاء النظام الإيراني، تتجه الأنظار نحو هافانا؛ حيث جاءت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكوبا متزامنة مع الضربات الأمريكية والإسرائيلية في إيران، فهل تتلقى كوبا ضربة قاصمة بانهيار حليفتها؟ وهل الروابط بين طهران والحزب الشيوعي الكوبي عميقة إلى الحد الذي يجعل زوال حكم رجال الدين في إيران أزمة وجودية للقيادة الكوبية؟

التبادل الإقتصادي بين كوبا وإيران

وأوضحت صحيفة “دياريو دي كوبا” الكوبية المعارضة، أنه إذا ما استعرضنا الأرقام الصادرة عن "مرصد التعقيد الاقتصادي"، نجد أن حجم التجارة الثنائية بين البلدين يبدو ضئيلاً للوهلة الأولى. ففي عام 2022، لم تتجاوز صادرات إيران إلى كوبا 174 ألف دولار، تصدرتها الأنابيب البلاستيكية (126 ألف دولار). 

في المقابل، باعت هافانا لطهران خلال العام ذاته ما قيمته 11.9 مليون دولار، شملت لقاحات، ومشتقات دم، وأمصال مضادة، وسموم طبية، بالإضافة إلى مبادلات أيونات البوليمر ومضادات حيوية.

ورغم أن صادرات كوبا إلى إيران شهدت نمواً ملحوظاً من الصفر في عام 2017 إلى 11.9 مليون دولار في 2022، وتراجع الصادرات الإيرانية، إلا أن التصريحات والتحركات الرسمية كانت تشير إلى تحول جذري في الأفق.

فخلال الجولة اللاتينية للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في عام 2023، وقع مع نظيره الكوبي ميغيل دياز كانيل ستة اتفاقيات في مجالات الاتصالات، والعدل، والجمارك، وهو ما وصفه الزعيم الكوبي آنذاك بـ "نقطة التحول". وتلا ذلك في مايو 2024 توقيع اتفاقية بين غرفتي التجارة في البلدين لإنشاء لجنة تجارية مشتركة لتعزيز التبادل التجاري.

وبحلول العام التالي، بدأت هافانا وطهران تناقشان تأسيس شراكة استراتيجية لعقد من الزمان. وأكد محمد حسين نيكنام، المدير العام للتعاون الدولي بوزارة الصحة الإيرانية، أن النظامين حافظا على دعم متبادل طيلة 40 عاماً رغم المسافات الشاسعة، وهي المدة التي تتطابق مع عمر النظام الثيوقراطي في السلطة.

في أوائل فبراير 2025، استضافت هافانا أعمال اللجنة المشتركة للتعاون الاقتصادي الإيراني-الكوبي في دورتها التاسعة عشرة، حيث أبدت طهران رغبتها في توسيع علاقاتها مع دول أمريكا اللاتينية كجزء من استراتيجيتها الجيوسياسية.

 وفي نوفمبر من نفس العام، ترأس وزير الاتصالات الإيراني، سيد ستار هاشمي، وفداً في معرض هافانا الدولي، في خطوة ركزت بشكل خاص على التكنولوجيا والاتصالات. 

وبحلول نهاية العام، توجت العلاقات باتفاقيات استراتيجية لاستخدام البنية التحتية البحرية الكوبية لتلبية احتياجات دول أمريكا الجنوبية، مع التركيز على فنزويلا، الحليف المشترك والمحوري.

الطبيعة الحقيقية للتحالف الكوبي - الإيراني

يجب فهم كل ما سبق ضمن سياق أوسع: تصميم بنية جيوسياسية مضادة للعقوبات تتمحور حول هدف أساسي وهو مناهضة الولايات المتحدة. هذه الروابط لا تعزز نفوذ طهران ووكلائها (مثل حزب الله وحماس) في المنطقة فحسب، بل توفر أيضاً غطاءً دبلوماسياً يتيح للنظامين تبادل الدعم في المحافل الدولية، لا سيما في أروقة الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان التابع لها.

هذه الفوائد الاستراتيجية هي ما يبرر قيام طهران، منذ عام 2006 على الأقل، بمد حلفائها الكوبيين بخطوط ائتمان قُدرت بما يتراوح بين 200 و500 مليون دولار خلال العقد الماضي، متجاوزة لغة الأرقام التجارية المتواضعة.

يعود توثيق هذه الروابط إلى عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي نسج تحالفات متينة مع فنزويلا في عهد هوغو تشافيز وبوليفيا بقيادة إيفو موراليس. وكان فيدل كاسترو قد دافع بشراسة عن حق إيران في التكنولوجيا النووية السلمية خلال زيارته لطهران عام 2001. وفي عام 2010، حذر الديكتاتور الكوبي من أن أي هجوم أمريكي على إيران سيشعل صراعاً لا يمكن أن ينتهي إلا بحرب نووية.

تجلى هذا الدعم بوضوح في عام 2006، عندما صوّتت سوريا وكوبا وفنزويلا فقط ضد إحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي. فقد نجحت طهران، بدعم من روسيا والصين، في نسج شبكة حماية دولية كانت هافانا ركناً أساسياً فيها. وبينما كانت كاراكاس تزود طهران باليورانيوم، كانت هافانا تؤمن لها الدعم الدبلوماسي والملاذ الآمن بالقرب من السواحل الأمريكية.

ورغم تكتم الحليفين على تعاونهما العسكري، تبرز مؤشرات قوية على وجود تنسيق في مجالات الاستخبارات، والأمن الإلكتروني، والأنشطة التكنولوجية.

من هنا، فإن السقوط المحتمل للنظام الإيراني سيمثل لهافانا زلزالاً يفقدها شريكاً استراتيجياً وأيديولوجياً بالغ الأهمية. وبعد خسارة حليفيها في سوريا وفنزويلا في غضون عام واحد، فإن هذه الضربة القاصمة الجديدة ستترك النظام الكوبي مجرداً من حليف أساسي آخر يعتمد عليه في مساعيه للبقاء على قيد الحياة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء