رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عظماء الإسلام.. قصة معاذ بن جبل ومكانته بين الصحابة

معاذ بن جبل
معاذ بن جبل

في حلقة جديدة من سلسلة "عظماء الإسلام" نتوقف عند سيرة أحد أعلام العلم والفقه في الإسلام، الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه، الذي كان من أقرب الصحابة إلى رسول الله  علمًا ومحبة.

فقد عرف بين الصحابة بعلمه الواسع وفهمه العميق لأحكام الدين، حتى وصفه النبي بأنه أعلم الأمة بالحلال والحرام، وكان معاذ مثالًا للعالم العامل، الذي جمع بين العبادة الصادقة والعلم النافع وتعليم الناس أمور دينهم.

ولم يكن دوره مقتصرًا على طلب العلم فقط، بل كان من الدعاة الذين نشروا الإسلام وعلّموا الناس القرآن والفقه في مختلف البلاد، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالعلم والهداية في تاريخ الإسلام.

النسب والمولد

هو معاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري الخزرجي، وكنيته أبو عبد الرحمن. وُلد في يثرب قبل الهجرة بنحو ثمانية عشر عامًا، ونشأ في بيئة الأنصار التي عُرفت بحبها لنصرة الإسلام واحتضانها لرسول الله  بعد الهجرة.

وكان معاذ منذ صغره يتمتع بذكاء ملحوظ وشخصية محبوبة بين قومه، كما عُرف بحسن الخلق والهدوء والوقار، وقد أسلم وهو شاب صغير السن، لكنه سرعان ما أصبح من أبرز شباب الأنصار الذين حملوا مسؤولية نشر الإسلام في مجتمعهم، وكان حضوره في بداية الدعوة دليلًا على إيمانه العميق واستعداده للتضحية في سبيل الدين.

بداية الإسلام

دخل معاذ بن جبل الإسلام في سن الثامنة عشرة تقريبًا، وكان من الذين شهدوا بيعة العقبة مع الأنصار، وهي البيعة التي تعهد فيها الأنصار بنصرة رسول الله والدفاع عنه.

وبعد إسلامه شارك مع عدد من الصحابة في إزالة الأصنام التي كانت تُعبد في بيوت الأنصار، في خطوة رمزية تعكس تحول المجتمع من عبادة الأصنام إلى عبادة الله وحده.

وعندما هاجر النبي إلى المدينة المنورة، آخى بين معاذ بن جبل والصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فكانت هذه الأخوة سببًا في تقوية علاقته بالصحابة وتعلمه المستمر من رسول الله.

ولم يتأخر معاذ عن المشاركة في ميادين الجهاد، فقد شهد غزوة بدر وهو شاب في مقتبل عمره، ثم شارك في باقي الغزوات مع النبي ، وكان حريصًا في كل موقف على أن يجمع بين الشجاعة في القتال والتعلم من النبي في شؤون الدين والحياة.

علمه وفقهه

برز معاذ بن جبل رضي الله عنه بين الصحابة بعلمه وفقهه الواسع، حتى أصبح مرجعًا في فهم الأحكام الشرعية. وقد شهد له النبي بذلك حين قال: "أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل".

وكان معاذ من القلة الذين سمح لهم رسول الله بإصدار الفتوى في حياته، وهو أمر يدل على ثقته بعلمه ورجاحة عقله. كما كان من الصحابة الذين حفظوا القرآن الكريم عن ظهر قلب، وكان الناس يقصدونه ليسمعوا منه القرآن ويتعلموا أحكام الشريعة، وقد روى عنه كثير من الصحابة والتابعين الأحاديث النبوية، مما جعله من رواة العلم الذين ساهموا في نقل السنة النبوية إلى الأجيال اللاحقة.

تعليمه للناس

لم يكن علم معاذ مقتصرًا على نفسه، بل كان حريصًا على نشره وتعليمه للناس. وبعد فتح مكة تركه النبي  هناك ليعلم أهلها القرآن وأحكام الإسلام، وهو دليل واضح على الثقة الكبيرة التي وضعها فيه. ثم أرسله النبي  بعد ذلك إلى اليمن ليكون قاضيًا ومعلمًا وداعية، يدعو الناس إلى الإسلام ويعلمهم تعاليم الدين.

وقد أوصاه النبي  عند إرساله بوصايا عظيمة في الدعوة والحكمة في التعامل مع الناس، ومن ذلك قوله: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب.."، فوجهه إلى التدرج في الدعوة والعدل في الحكم بين الناس.

صفاته وفضله

تميز معاذ بن جبل رضي الله عنه بصفات كثيرة جعلته محبوبًا بين الصحابة. فقد كان كريمًا لا يرد سائلًا، وكان زاهدًا في الدنيا، يفضل العطاء للفقراء والمحتاجين على الاحتفاظ بالمال لنفسه، كما كان شديد الحرص على العبادة، يكثر من قيام الليل وذكر الله، وكان يدعو الله كثيرًا أن يعينه على طاعته.

ومن شدة محبة النبي  له قال له يومًا: "يا معاذ والله إني لأحبك، فلا تدعنَّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك."

وكان الصحابة يجلونه ويقدرون علمه، حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل كما وصفه عبد الله بن مسعود بأنه كان أمةً في العلم والطاعة، لما عرف عنه من إخلاص واجتهاد في طلب العلم ونشره.

وفاته

بعد وفاة النبي  عاد معاذ من اليمن، ثم شارك في فتوحات الشام في عهد الخلفاء الراشدين، وكان هدفه الأساسي هناك تعليم الناس القرآن وأمور دينهم. وفي تلك الفترة انتشر طاعون عمواس في بلاد الشام، وهو وباء أصاب عددًا كبيرًا من الصحابة والناس.

أصيب معاذ بهذا الطاعون، فصبر واحتسب الأجر عند الله، حتى توفي سنة 18 للهجرة، وكان عمره نحو 33 سنة فقط. ورغم قصر حياته، إلا أنه ترك أثرًا عظيمًا في العلم والدعوة، وأصبح من أشهر فقهاء الصحابة الذين نقلوا العلم للأمة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء