تشهد المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد، خاصة في ظل المتغيرات الداخلية في طهران مع صعود مجتبى خامنئي إلى موقع القيادة العليا في الجمهورية الإسلامية. هذه اللحظة لا تمثل مجرد انتقال للسلطة داخل النظام الإيراني، بل تأتي في سياق صراع إقليمي ودولي متصاعد، حيث تتداخل رهانات الداخل الإيراني مع الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه بعض الدوائر في واشنطن، خاصة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن ضرورة الدفع نحو إزاحة القيادة الإيرانية الجديدة، تكشف القراءة الجيوسياسية الأعمق أن الصراع الجاري يتجاوز مسألة تغيير القيادة ليصل إلى حدود اختبار القدرة الأمريكية على إدارة صراع طويل الأمد في الشرق الأوسط.
فبين خطاب الحسم الذي يتكرر في التصريحات السياسية، وواقع إدارة التصعيد على الأرض، تتكشف معادلة أكثر تعقيدًا تشير إلى أن المواجهة مع إيران قد تتحول إلى حرب استنزاف استراتيجية أكثر منها معركة حاسمة سريعة.
صلابة النظام الإيراني بعد انتقال القيادة
رغم الرهانات المتكررة على احتمالات انهيار النظام الإيراني تحت وطأة الضغوط الاقتصادية أو الضربات العسكرية، فإن بنية الدولة في إيران تشير إلى قدر كبير من التماسك المؤسسي. فالنظام السياسي الإيراني لا يعتمد على مركزية السلطة الفردية فحسب، بل يقوم على شبكة متشابكة من المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية.
ويأتي الحرس الثوري في قلب هذه المنظومة بوصفه أحد أعمدة استقرار النظام وحماية استمراريته. ومع انتقال القيادة إلى مجتبى خامنئي، وهو يمثل الجيل الجديد داخل المؤسسة الحاكمة، يبدو أن طهران تسعى إلى إعادة إنتاج توازناتها الداخلية بما يسمح لها بالحفاظ على استمرارية النظام رغم الضغوط الخارجية.
كما أن الضربات العسكرية الخارجية غالبًا ما تؤدي إلى تعزيز ما يمكن وصفه بـ القومية الدفاعية داخل المجتمع الإيراني، حيث يتحول الضغط الخارجي إلى عنصر تعبئة سياسية يعزز تماسك النظام بدلًا من إضعافه.
تكشف المرحلة الحالية من الصراع عن مجموعة من الرهانات المتبادلة بين الأطراف الرئيسية الثلاث، وسنتناولها بشيء من التفصيل:
أولًا: الرهان الإيراني
تعتمد إيران في استراتيجيتها العسكرية والسياسية على مجموعة من العناصر التي تمنحها قدرة على الصمود في صراع طويل الأمد، أبرز هذه العناصر يتمثل في القدرات الصاروخية والهجومية التي تسمح لها باستنزاف منظومات الدفاع الجوي لدى خصومها. كما تعتمد طهران على تعدد الجبهات غير المباشرة، وخاصة جبهة جنوب لبنان، وهو ما يخفف الضغط عن الجبهة الإيرانية المباشرة ويجعل الصراع أكثر تعقيدًا.
إضافة إلى ذلك، يمنح البعد الجغرافي لإيران عن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وامتدادها الإقليمي مساحة استراتيجية للمناورة، بينما تراهن القيادة الإيرانية على عامل الزمن باعتباره عنصرًا حاسمًا في معادلة الصراع.
وتقوم العقيدة العسكرية الإيرانية في هذا السياق على ثلاثة مرتكزات رئيسية:
إطالة أمد الحرب، واستنزاف الدفاعات المعادية، وتوسيع نطاق الضغط الإقليمي عبر تهديد الممرات البحرية الحيوية.
ثانيًا: الرهان الإسرائيلي
في المقابل، تعتمد إسرائيل على استراتيجية مختلفة تقوم على الحسم السريع عبر التفوق التكنولوجي والاستخباراتي.
وتراهن تل أبيب على قدرتها في تنفيذ ضربات دقيقة للبنية التحتية العسكرية الإيرانية، إضافة إلى اختراقات استخباراتية عميقة داخل إيران، واستهداف واغتيال وقتل القيادات السياسية والعسكرية الإيرانية، الأمر الذي يساعد في سرعة تفكيك بنية النظام الإيراني، كما تسعى إسرائيل إلى استنزاف المخزون الصاروخي الإيراني وتدمير قدرته الإنتاجية.
ويُضاف إلى ذلك الرهان على الضغط الداخلي داخل إيران عبر الأزمات الاقتصادية، وكذلك استمرار الدعم العسكري والسياسي من الولايات المتحدة وحلفائها.
ثالثًا: الرهان الأمريكي
أما الولايات المتحدة فتسعى إلى إدارة الصراع؛ فواشنطن تدرك أن الانزلاق إلى حرب شاملة مع إيران قد يفتح جبهة إقليمية واسعة يصعب السيطرة على تداعياتها.
ولهذا تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على تفوقها العسكري والتكنولوجي مع إبقاء مستوى الانخراط العسكري ضمن حدود محسوبة، بما يسمح لها بإدارة إيقاع الحرب دون تحمل كلفتها الكاملة.
رابعًا: معضلة القوى الإقليمية والمحيط الجغرافي
لا تكتمل صورة هذه المواجهة دون النظر إلى موقف القوى الإقليمية المحيطة، وتحديدًا دول الخليج العربي، التي تجد نفسها أمام معادلة الحياد النشط. فهذه الدول تدرك أن تحول الصراع إلى حرب استنزاف شاملة سيجعل من جغرافيتها ساحة ثانوية للارتدادات الاقتصادية والأمنية، خاصة فيما يتعلق بأمن الطاقة وسلامة الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر.
وتسعى هذه الأطراف إلى موازنة دقيقة؛ فهي من جهة لا ترغب في رؤية إيران نووية أو مهيمنة إقليميًا، لكنها من جهة أخرى تخشى من كلفة الفراغ الأمني الذي قد يخلّفه انكسار مفاجئ للنظام الإيراني أو اشتعال حريق إقليمي لا يمكن احتواؤه، ولا تريد الانزلاق في فخ المواجهة المباشرة.
وعند الحديث عن أهم محددات هذه المواجهة يتضح أن اقتصاد الحرب هو العامل الأكثر تأثيرًا؛ فالطرف القادر على الحفاظ على وتيرة الإنتاج العسكري وتحمل الكلفة الاقتصادية للحرب لفترة أطول يمتلك في النهاية أفضلية استراتيجية في الصراعات الممتدة، نموذج روسيا في الحرب الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس.
في ضوء هذه المواقف، تبدو نهاية الحرب مرتبطة بعدة عوامل رئيسية، أهمها حجم المخزون الصاروخي الإيراني الحقيقي، وقدرة إسرائيل والولايات المتحدة على تدمير خطوط الإنتاج العسكرية الإيرانية، إضافة إلى قدرة طهران على الاستمرار في التأثير على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
وإذا اتسع نطاق الصراع إقليميًا، فمن المرجح أن تمتد الحرب لعدة أشهر، لتتحول إلى صراع استنزاف طويل الأمد تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والاقتصادية الدولية.
ما أود قوله هنا أن هذه المواجهة الحالية لا تمثل مجرد صراع عسكري بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، بل تمثل اختبارًا حقيقيًا لحدود القوة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين، فاستمرار حالة الاستنزاف دون حسم واضح قد يفتح الباب أمام تحولات أوسع في بنية النظام الدولي.
وفي حال استمرت هذه المعادلة لفترة طويلة، فقد يسجل التاريخ هذه المرحلة باعتبارها واحدة من اللحظات التي بدأت فيها ملامح نظام عالمي جديد في التشكل؛ نظام لا تحتكر فيه قوة واحدة مفاتيح الهيمنة، بل تتوزع فيه موازين القوة بين عدة أقطاب دولية.