ثلاثة ملايين طالب في التعليم الفني..هل حان وقت إعادة هيكلة التخصصات؟|خاص
يشهد مستقبل التعليم الفني مرحلة حاسمة، مع تصاعد الدعوات لإعادة هيكلة الدبلومات الفنية لمواكبة احتياجات سوق العمل والاقتصاد الوطني.
وفي تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، أكد الدكتور محمد كمال، الخبير التربوي، أن الإصلاح الشامل لمنظومة التعليم الفني أصبح ضرورة ملحة، خصوصًا مع وجود نحو ثلاثة ملايين طالب في هذا المسار، يواجه العديد منهم تحديات في الحصول على فرص عمل حقيقية بعد التخرج.
ويطرح الخبير سيناريوهات بين تطوير التخصصات واستحداث مسارات جديدة، وبين إلغاء الدبلومات غير المطلوبة، مثل دبلوم التجارة، لضمان إعداد كوادر مؤهلة قادرة على العمل والإنتاج في القطاعات الصناعية والزراعية والرقمية
وأكد الدكتور محمد كمال، الخبير التربوي، أن مستقبل التعليم الفني في مصر لا يمكن فصله عن إعادة النظر في منظومة التعليم الفني بشكل شامل، مشيرًا إلى أن الدعوات المتزايدة لتطوير التعليم الجامعي يجب أن تسير بالتوازي مع إصلاح جذري في مسارات التعليم الفني، الذي يضم ملايين الطلاب ويؤثر بشكل مباشر في سوق العمل والاقتصاد الوطني.
وشدد كمال في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك" على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة أعداد الخريجين، بل في إعداد كوادر مؤهلة تمتلك المهارات التي يحتاجها سوق العمل بالفعل.
وأوضح الخبير التربوي أن مصر تضم ما يقرب من ثلاثة ملايين طالب في التعليم الفني، منهم نحو 2.3 مليون طالب داخل مدارس وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، بينما يتوزع باقي الطلاب في جهات تعليمية أخرى.
ولفت إلى أن هذه الأعداد الضخمة تفرض ضرورة التخطيط الجيد لمستقبل هؤلاء الطلاب، حتى لا يتحول التعليم الفني إلى مسار يمنح الشهادات فقط دون أن يوفر فرصًا حقيقية للعمل والإنتاج.
تطور التعليم الفني خلال السنوات الأخيرة
وأشار الدكتور محمد كمال إلى أن الاهتمام بالتعليم الفني بدأ يتخذ خطوات أكثر تنظيمًا منذ عام 2015، عندما تم إطلاق مشروع تطوير معايير خريجي التعليم الفني وربط البرامج التعليمية بمتطلبات سوق العمل. وأضاف أن هذه الخطوة كانت بداية لمسار طويل من الإصلاحات التي استهدفت تحديث المناهج وتطوير أساليب التدريب داخل المدارس الفنية.
كما أوضح أن الدولة اتجهت خلال السنوات الماضية إلى إنشاء المدارس التكنولوجية التطبيقية، التي تعد نموذجًا جديدًا للتعليم الفني يعتمد على الشراكة مع القطاع الصناعي وربط الدراسة بالتدريب العملي. وأكد أن هذه المدارس تمثل أحد أهم محاور تطوير التعليم الفني، حيث تستهدف إعداد طلاب مؤهلين للعمل مباشرة بعد التخرج في مجالات يحتاجها سوق العمل.
تجاوز المستهدف في إنشاء المدارس التكنولوجية
وأكد الخبير التربوي أن خطة تطوير التعليم الفني التي وضعت عام 2015 كانت تستهدف إنشاء 100 مدرسة تكنولوجية تطبيقية بحلول عام 2030، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى تحقيق تقدم ملحوظ في هذا الملف. وأوضح أن عدد هذه المدارس وصل حاليًا إلى نحو 115 مدرسة، ما يعني أن الدولة تجاوزت بالفعل المستهدف قبل الموعد المحدد.
وأضاف أن هذه المدارس أدخلت تخصصات جديدة تواكب التطورات التكنولوجية الحديثة، مثل البرمجة والذكاء الاصطناعي والتخصصات الرقمية، وهو ما يعكس توجهًا واضحًا نحو ربط التعليم الفني بالاقتصاد الرقمي والصناعات الحديثة. وأكد أن هذه الخطوة تمثل نقلة نوعية في مفهوم التعليم الفني داخل مصر.
أزمة دبلوم التجارة في سوق العمل
وفي المقابل، أشار الدكتور محمد كمال إلى وجود أزمة حقيقية في دبلوم التجارة داخل منظومة التعليم الفني، موضحًا أن عدد الطلاب في هذا التخصص يقترب من مليون طالب، بينما يعاني خريجو التخصصات التجارية – سواء في التعليم الفني أو الجامعي – من معدلات بطالة مرتفعة.
وأوضح أن سوق العمل لا يحتاج إلى الأعداد الكبيرة من خريجي التخصصات التجارية التي يتم تخريجها سنويًا، مشيرًا إلى أن حتى خريجي كليات التجارة أنفسهم يواجهون صعوبة في الحصول على فرص عمل. لذلك يرى أن استمرار تخريج أعداد ضخمة من دبلوم التجارة دون وجود طلب حقيقي عليهم يمثل إهدارًا للموارد وإضرارًا بمستقبل الطلاب.
دعوة لإلغاء الدبلوم التجاري
وطالب الخبير التربوي بإلغاء الدبلوم الفني التجاري بشكل كامل، معتبرًا أن هذا القرار أصبح ضرورة في ظل عدم وجود فرص عمل حقيقية لخريجيه. وأوضح أن الدولة تنفق موارد كبيرة على تعليم الطلاب في هذا التخصص لثلاث سنوات، ثم يجد الخريجون أنفسهم في النهاية دون فرصة عمل حقيقية في المجال الذي درسوه.
وأشار إلى أن استمرار هذا الوضع يعني أن الطلاب يقضون سنوات من حياتهم في دراسة تخصص لا يوفر لهم مستقبلًا مهنيًا واضحًا، وهو ما يمثل – بحسب تعبيره خسارة للدولة وللطلاب وأسرهم في الوقت نفسه.
دعم التعليم الزراعي والصناعي
وفي المقابل، شدد الدكتور محمد كمال على ضرورة توجيه الاهتمام بشكل أكبر إلى التعليم الزراعي والصناعي، مؤكدًا أن هذين المجالين يمثلان العمود الفقري لأي اقتصاد منتج. وأوضح أن مصر تتوسع حاليًا في مشروعات استصلاح الأراضي الزراعية بملايين الأفدنة، وهو ما يتطلب وجود كوادر مدربة قادرة على العمل في هذا القطاع.
كما أشار إلى أن القطاع الصناعي يحتاج أيضًا إلى عمالة فنية ماهرة ومدربة بشكل احترافي، لافتًا إلى أن التعليم الصناعي يجب أن يركز على تخريج طلاب يمتلكون مهارات حقيقية تمكنهم من العمل مباشرة في الورش والمصانع والمشروعات الإنتاجية.
المشروعات الصغيرة طريق التنمية
وأكد الخبير التربوي أن المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في دعم الاقتصاد الوطني، إذا تم إعداد خريجي التعليم الفني بالشكل المناسب.
وأوضح أن العديد من المنتجات البسيطة التي يتم استيرادها حاليًا يمكن تصنيعها بسهولة داخل ورش صغيرة، مثل بعض الأدوات المعدنية وقطع الغيار والمنتجات البسيطة المستخدمة في الحياة اليومية.
وأشار إلى أن تصنيع هذه المنتجات محليًا يسهم في تقليل فاتورة الاستيراد وتوفير العملة الصعبة، إضافة إلى خلق فرص عمل جديدة للشباب. كما أن هذه المشروعات لا تحتاج إلى مصانع ضخمة أو تكنولوجيا معقدة، بل تعتمد بشكل أساسي على العمالة الفنية المدربة.
التعليم من أجل العمل
وشدد الدكتور محمد كمال على أن الهدف الحقيقي من التعليم يجب أن يكون إعداد الطلاب للعمل والإنتاج، وليس مجرد الحصول على شهادة دراسية. وأوضح أن التعليم يمكن أن يكون لأغراض مختلفة، مثل التعلم من أجل المعرفة أو من أجل الحصول على شهادة، لكن التعليم الفني يجب أن يركز بالأساس على تأهيل الطلاب لسوق العمل.
وأكد أن نجاح أي نظام تعليمي سواء كان نظام الجدارات أو غيره لا يقاس بالمسميات أو الخطط النظرية، بل بالنتيجة النهائية المتمثلة في تخريج طالب قادر على العمل والإنتاج. ولذلك فإن المعيار الحقيقي لنجاح التعليم الفني هو قدرة خريجيه على الحصول على فرص عمل حقيقية.
ضرورة وجود خطة واضحة للمستقبل
واختتم الخبير التربوي تصريحاته بالتأكيد على ضرورة وجود خطة وطنية واضحة لتطوير التعليم الفني، تشارك فيها عدة وزارات ومؤسسات، مثل وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والصناعة والزراعة والتجارة. وأوضح أن تطوير التعليم الفني لا يمكن أن يتم بمعزل عن احتياجات الاقتصاد وسوق العمل.
كما شدد على أهمية متابعة تنفيذ هذه الخطط على أرض الواقع ومحاسبة المسؤولين عن تحقيق الأهداف المحددة، مؤكدًا أن التفاخر بالأرقام والإنجازات النظرية لن يحقق التطوير الحقيقي. فالمطلوب – بحسب قوله – هو الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، بما يضمن إعداد جيل من الشباب يمتلك المهارات اللازمة لبناء اقتصاد قوي قائم على الإنتاج والعمل.