السناوي يوضح المشهد الإقليمي بين انهيار النظام العربي وتصاعد الصراعات
قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي، عبد الله السناوي، إن التطورات الجارية في المنطقة تكشف عن طبيعة مختلفة للصراع الدائر، مؤكدًا أن الحرب الحالية لا يمكن توصيفها باعتبارها حربًا أمريكية خالصة، بل هي في الأساس حرب تقودها إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو.
جاءت تصريحات السناوي خلال حلقة خاصة عبر موقع «إيجبتك» ناقشت تطورات المشهد الإقليمي، حيث حاوره الكاتب الصحفي محمد سعد عبد الحفيظ وكيل نقابة الصحفيين، في نقاش موسع تناول أبعاد الصراع الإقليمي وتوازنات القوى الدولية.
الحرب بين الشعارات والواقع
وأوضح السناوي، أن المعركة الجارية تدار في المقام الأول لخدمة المصالح الإسرائيلية، رغم أن الخطاب السياسي والإعلامي يربطها في كثير من الأحيان بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، مشيراً إلى أن هذا الربط لا يعكس بدقة طبيعة الدور الأمريكي الفعلي في إدارة الحرب.
وأضاف: أن كثيرًا من التحليلات السياسية تضخم دور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هذه الأزمة، موضحًا أن ترامب يسعى غالبًا لتقديم نفسه باعتباره لاعبًا رئيسيًا في الأحداث الدولية، لكن الواقع يشير إلى أنه في هذه الحرب ليس في موقع القيادة الحقيقية، بل يتحرك في إطار توازنات أوسع.
أهداف غير واضحة للحرب
وأشارعبدالله السناوي، إلى أن أحد أبرز أوجه الأزمة الحالية يتمثل في غياب أهداف واضحة ومحددة للحرب، حيث يظهر تناقض كبير بين الطموحات العسكرية المعلنة والنتائج الفعلية على الأرض.
وأضاف: أن بعض العمليات العسكرية جرى تبريرها بحماية المتظاهرين في إيران، إلا أن ما حدث على الأرض أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، بينهم أطفال وفتيات صغيرات، وهو ما يكشف عن فجوة كبيرة بين الشعارات السياسية والواقع الإنساني المؤلم.
البحث عن دعم دولي
وأكد السناوي، أن إسرائيل تسعى في الوقت ذاته إلى تأمين دعم دولي أوسع، خاصة من الحلفاء الأوروبيين، رغم أن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي شهدت توترات واضحة خلال الفترة الماضية.
وأوضح أن هذه المفارقة تعكس تناقضًا في الخطاب السياسي، إذ لا يمكن التقليل من دور الحلفاء ثم العودة للاعتماد عليهم لاحقًا لتوفير الغطاء السياسي أو الدبلوماسي لأي تحرك عسكري أو استراتيجي.
سيناريوهات التغيير داخل إيران
وفي تحليله لطبيعة الصراع مع إيران، أوضح السناوي، أن الخطط المطروحة لم تعد تركز على دعم التحول الديمقراطي أو تمكين الشعب الإيراني من تقرير مصيره، بل اتجهت نحو سيناريوهات تستهدف إعادة ترتيب السلطة داخل النظام.
وأشار إلى أن بعض هذه التصورات تقوم على تحريك الاحتجاجات الداخلية واستثمارها لإحداث تغييرات سياسية من داخل النظام نفسه، عبر نخبة مختارة أو تحالفات داخلية، وهو ما يعكس محاولة لإدارة الأزمة دون مواجهة عسكرية مباشرة.
طبيعة النظام الإيراني
وأكد عبدالله السناوي، أن النظام الإيراني يتمتع ببنية أيديولوجية قوية تعتمد على إطار ديني يمنحه قدرًا من التماسك، رغم وجود العديد من المشكلات الداخلية.
وأضاف: أن مفهوم "الشهادة المقدسة" يمثل عنصرًا مهمًا في العقيدة السياسية للنظام الإيراني، وهو ما يجعل أي مواجهة عسكرية شاملة معه مكلفة للغاية، سواء على المستوى العسكري أو الإنساني.
التوازنات الإقليمية المعقدة
وتطرق السناوي، إلى تأثير التوازنات الإقليمية في مسار الصراع، مشيرًا إلى أن دولًا مثل العراق تواجه ضغوطًا كبيرة للحفاظ على التوازن بين علاقاتها مع إيران ومتطلبات الاستقرار الداخلي.
وأوضح أن وجود قوى مسلحة مثل الحشد الشعبي يعقد المشهد السياسي والعسكري، حيث تضطر الحكومة العراقية إلى التعامل بحذر شديد لتجنب الانزلاق إلى صدام مباشر قد يهدد استقرار البلاد.
الحسابات التركية في المنطقة
كما تناول السناوي، الدور الإقليمي لـ تركيا، موضحًا أن أنقرة تسعى بالأساس إلى حماية أمنها القومي ومنع قيام كيان كردي مستقل قد يشكل تهديدًا مباشرًا لحدودها.
وأضاف: أن السياسة التركية تعتمد على مزيج من الأدوات العسكرية والضغوط الدبلوماسية لتحقيق أهدافها، في حين أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر حذرًا في استخدام بعض أوراقها التقليدية في المنطقة.
الضغوط الاقتصادية والدولية
وأشارالمحلل السياسي، إلى أن أحد العوامل المهمة في هذا الصراع يتمثل في البعد الاقتصادي، خاصة ما يتعلق بأسواق الطاقة العالمية، موضحاً أن أي تصعيد يستهدف مصادر النفط في الخليج قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في الأسواق العالمية وارتفاع حاد في الأسعار.
وأكد أن هذه الحسابات الاقتصادية تجعل القوى الكبرى أكثر حذرًا في اتخاذ قرارات قد تؤدي إلى تصعيد واسع النطاق في المنطقة.
قراءة في التحولات الإقليمية
وأكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عبد الله السناوي، أن المشهد العربي الراهن يعكس تداعيات عميقة لانهيار النظام الإقليمي العربي القديم، وهو ما أدى إلى أزمات سيادية واستراتيجية أثرت على توازنات القوى في المنطقة.
دروس التاريخ ودور مصر الإقليمي
وأوضح السناوي، أن التاريخ المعاصر يقدم نماذج مهمة لفهم طبيعة الصراع الإقليمي، مشيرًا إلى أن مصر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي خاضت معارك سياسية واستراتيجية كبيرة للحفاظ على سيادتها الوطنية.
وأشار إلى أن تلك الفترة شهدت مواجهة مع مشروعات سياسية وعسكرية مثل حلف بغداد، إضافة إلى إنهاء وجود قواعد عسكرية أجنبية في المنطقة، وهو ما مثل خطوة رمزية مهمة لاستعادة السيادة الوطنية وتعزيز الاستقلال السياسي.
تداعيات تفكك النظام العربي
وأوضح عبدالله السناوي، أن التدخلات الدولية في المنطقة، خاصة ما حدث في العراق والكويت، ساهمت في تفكيك الجناح الشرقي للنظام العربي، الأمر الذي أدى إلى إضعاف التماسك الاستراتيجي بين الدول العربية.
وأضاف: أن سلسلة الاتفاقيات السياسية، بدءًا من اتفاقيات كامب ديفيد مرورًا باتفاقيات أخرى لاحقة، وصولًا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، كان لها تأثير كبير على قدرة العالم العربي في صياغة توازن سياسي مستقل في الشرق الأوسط.
أبعاد اقتصادية واستراتيجية للأزمة
وأكد السناوي، أن الأزمة التي يعيشها النظام العربي ليست سياسية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية واستثمارية، حيث تواجه الدول العربية الكبرى تحديات كبيرة في استعادة مواقعها الاستراتيجية في ظل غياب التنسيق العربي الفعّال.
وأضاف: أن ضعف القيادة الإقليمية أدى إلى تراجع القدرة على صياغة سياسات مشتركة، الأمر الذي انعكس على النفوذ السياسي والاقتصادي للعالم العربي في القضايا الإقليمية والدولية.
إيران والتوازن الإقليمي
وفيما يتعلق بالوضع الإقليمي، أشار السناوي، إلى أن إيران تمثل قوة إقليمية مؤثرة، لكن أي تغيير جذري داخلها قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة، بما في ذلك صراعات طائفية وعرقية قد تتجاوز في تأثيرها ما حدث في العراق.
وأوضح أن الخطط الأمريكية تسعى في بعض الأحيان إلى تقليص نفوذ إيران الإقليمي، إلا أن هذه الاستراتيجيات تصطدم بتعقيدات سياسية وتحالفات إقليمية ودولية تعيق تحقيق هذا الهدف بسهولة.
دور القوى الإقليمية الكبرى
وأضاف السناوي، أن التوازن الإقليمي يعتمد بشكل كبير على أدوار قوى إقليمية رئيسية مثل مصر وتركيا، اللتين تمثلان عنصرًا مهمًا في منع سيناريوهات الفوضى أو التدخلات الخارجية المباشرة في المنطقة.
وأشار إلى أن التنسيق بين القوى الإقليمية يمكن أن يحد من مشروعات تغيير الحدود أو دعم الحركات الانفصالية، مثل بعض الطروحات المتعلقة بالقضية الكردية في المنطقة.
التحالفات الجديدة في الشرق الأوسط
وتطرق السناوي، إلى التحولات في بنية التحالفات الإقليمية، مؤكدًا أن بعض التقديرات تشير إلى أن المحور السني الذي يضم مصر والسعودية وتركيا يمثل أحد أهم عناصر التوازن في المنطقة.
وأضاف: أن هذه الدول الثلاث تمتلك وزنًا سياسيًا واستراتيجيًا كبيرًا، وأن التوازن بينها يلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على استقرار الشرق الأوسط في مواجهة التحولات الدولية المتسارعة.
الدور المتصاعد للهند
كما أشار السناوي، إلى صعود دور الهند باعتبارها قوة دولية مؤثرة في التوازنات الجيوسياسية، موضحًا أن علاقاتها المتنامية مع قوى دولية وإقليمية، بما فيها إسرائيل، تمنحها حضورًا متزايدًا في قضايا الشرق الأوسط.
وأوضح أن هذا التحول يفرض على الدول العربية الكبرى إعادة تقييم سياساتها الدبلوماسية لضمان الحفاظ على موقعها في النظام الدولي المتغير.
إفريقيا والنفوذ الدولي
وتحدث السناوي، عن الساحة الأفريقية، مؤكدًا أنها ما زالت مفتوحة أمام تنافس القوى الدولية، وهو ما يضع تحديات إضافية أمام الدول العربية المطلة على القارة.
وأشار إلى أن بعض السياسات والاتفاقيات التاريخية مثل اتفاقيات أوسلو كان لها تأثير على موازين القوى الإقليمية، وفتحت الباب أمام تحولات سياسية واستراتيجية لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
الإنفاق العسكري ومعادلة الأمن
وأوضح السناوي، أن منطقة الخليج شهدت إنفاقًا ضخمًا على التسليح خلال العقود الماضية، إلا أن هذه النفقات لم تنجح بالضرورة في تحقيق الاستقرار السياسي أو الأمن الاستراتيجي.
وأضاف: أن المليارات التي ضخت في سباقات التسلح لم تضمن سلامًا مستدامًا، ما يطرح تساؤلات حول جدوى بعض السياسات الدفاعية في المنطقة.
الإعلام والوعي السياسي
وشدد السناوي، على أهمية دور الإعلام في توضيح الحقائق للرأي العام وكشف الروايات المغلوطة التي قد تؤثر على فهم الأزمات الإقليمية، مؤكداً أن مواجهة التحديات الراهنة تتطلب رؤية استراتيجية واضحة، وتنسيقًا عربيًا حقيقيًا، إضافة إلى تعزيز الوعي العام بأبعاد الصراعات الجارية، بما يساهم في بناء موقف عربي أكثر تماسكًا وقدرة على التعامل مع التحولات الدولية.
مستقبل الصراع في المنطقة
واختتم السناوي، تحليله بالتأكيد على أن المشهد الإقليمي ما زال مفتوحًا على العديد من السيناريوهات، في ظل غياب رؤية واضحة للحل واستمرار التناقض بين التصريحات السياسية والوقائع الميدانية، مشيراً إلى أن أي تقدم نحو الاستقرار يتطلب رؤية استراتيجية متماسكة وتحالفات دولية واضحة، مؤكدًا أن استمرار الصراع دون أهداف محددة قد يؤدي إلى مزيد من الأزمات الإنسانية والسياسية في المنطقة.