«عاقبوا ستارمر بسبب غزة».. رئيس الوزراء البريطاني يتعرض لهزيمة ثقيلة|تقرير
تلقى الحزب الحاكم في بريطانيا خلال الأسبوع الماضي، هزيمة مهينة قد تكون لها تداعيات خطيرة على مستقبل رئيس الوزراء كير ستارمر، رغم من أن الانتخابات الفرعية التي جرت اقتصرت على دائرة انتخابية واحدة في بلدة صغيرة، فإن نتائجها تسببت في صدمة سياسية كبيرة.
فلا يبدو الأمر مثيرًا للقلق، خصوصًا أن حزب العمال يمتلك أغلبية كبيرة في مجلس العموم تبلغ 404 مقاعد من أصل 650 مقعد، مما يجعل خسارة مقعد واحد أمرًا غير مؤثر من الناحية العددية؛ لكن المفاجأة أن الدعوات المطالبة باستقالة ستارمر بدأت تتصاعد فور إعلان النتائج، بل أن بعض الصحف تحدثت عن بداية ما يشبه حربًا أهلية داخل حزب العمال نفسه.

واللافت أن الدائرة الانتخابية التي جرت فيها هذه الانتخابات ليست من المناطق الثرية في مانشستر، المدينة التي تُعد تاريخيًا أحد أهم معاقل حزب العمال، وعلى مدى عقود طويلة كان ينظر إلى هذه الدائرة باعتبارها مضمونة للحزب، ففي الواقع لم يتمكن أي مرشح من حزب المحافظين من الفوز هناك منذ عام 1959، وحتى ذلك الفوز جاء بفارق ضئيل للغاية، ومنذ ذلك الوقت ظل حزب العمال يحقق انتصارات مريحة في هذه المنطقة، ما جعل المنافسة الانتخابية فيها شبه شكلية.
تكهنات داخل الأوساط السياسية
وفي الانتخابات العامة التي جرت قبل عامين فقط، تمكن مرشح حزب العمال أندرو جوين، من الفوز بفارق كبير بلغ 36% عن أقرب منافسيه، غير أن هذا المسؤول اضطر في يناير الماضي إلى الاستقالة، بسبب ظروف صحية، وهو ما استدعى إجراء انتخابات فرعية مبكرة، وخلال تلك الفترة انتشرت تكهنات داخل الأوساط السياسية، بأن الاستقالة ربما كانت جزءًا من خطة؛ لتمهيد الطريق أمام عمدة مانشستر أندي بورنهام، وهو من الشخصيات البارزة في الحزب، لدخول البرلمان.
لكن كير ستارمر رفض هذا الطرح، على ما يبدو لأنه ادرك ان وصول بورنهام إلى البرلمان قد يخلق منافسا قويًا له على زعامة الحزب وربما على منصب رئيس الوزراء مستقبلًا، واليوم يتذكر كثير من أعضاء الحزب هذا القرار، مؤكدين أن الأمور ربما كانت ستسير بشكل مختلف لو وافق ستارمر على ترشيح العمدة.

وتتميز هذه الدائرة الانتخابية بتركيبة اجتماعية تعكس إلى حد بعيد صورة المجتمع البريطاني بشكل عام، ففي الجزء الشرقي من الدائرة يعيش في الغالب أبناء الطبقة العاملة من أصول إنجليزية، وهؤلاء كانوا الهدف الأساسي لحزب إصلاح المملكة المتحدة بقيادة نايجل فاراج، الذي يركز في خطابه السياسي على فكرة أن معظم مشاكل بريطانيا تعود إلى تدفق الهجرة غير المنضبطة، أما الجزء الغربي من الدائرة فيضم نسبة مرتفعة من السكان من أصول باكستانية، حيث أن ثلث السكان فقط ولدوا في بريطانيا.
في الوقت نفسه، ركزت حملة حزب الخضر على الناخبين المسلمين بشكل خاص، ورفعت شعارًا واضحًا يقول «عاقبوا ستارمر بسبب غزة»، ومع مرور الوقت تشكل ما يشبه تحالفًا غير رسمي بين منظمات يسارية وجماعات مؤيدة للفلسطينيين حول مرشحة حزب الخضر هانا سبنسر، وقد وصفت بعض الصحف اليمينية هذا التحالف بما سمته «الكتلة الإسلامية»؛ إذ يرى مراقبون أن هذا التحالف السياسي غير التقليدي قد يشكل مزيجًا متفجرًا يمكن أن تكون له آثار واسعة على مستقبل حزب العمال في مناطق أخرى من البلاد.
ستارمر يتعرض لهزيمة ثقيلة
ورغم أن ستارمر حضر بنفسه لدعم مرشحة حزبه في هذه الانتخابات، وهي مرشحة لم تحظ بشهرة تذكر حتى أن كثيرين لم يتذكروا اسمها بعد التصويت، فإن النتيجة كانت قاسية للغاية بالنسبة لحزب العمال، فقد جاء الحزب في المركز الثالث فقط، بينما حقق حزب الخضر فوزًا واضحًا بالمركز الأول، وجاء حزب إصلاح المملكة المتحدة في المرتبة الثانية، وقد زاد من غرابة المشهد أن الفائزة في الانتخابات هانا سبنسر تعمل «سباكة» وهو ما استغلته الصحافة اليمينية للسخرية من الهزيمة الثقيلة التي تعرض لها ستارمر.

وبعد إعلان النتائج مباشرة بدأت الأصوات المطالبة باستقالة رئيس الوزراء، ترتفع بشكل ملحوظ، وأظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة «ميل أون صنداي»، أن 34% فقط من البريطانيين يرون أن ستارمر يجب أن يبقى في منصبه بعد هذه النتيجة المخيبة، في حين يعتقد 44% أنه ينبغي عليه الاستقالة.
والأهم من ذلك، أن النقابات العمالية التي تُعد تقليديًا الداعم الرئيسي لحزب العمال في الحملات الانتخابية، بدأت بدورها توجه انتقادات علنية لقيادة الحزب، ولا يخفي كثير من أعضاء الحزب شعورهم بالتشاؤم حيال المستقبل، وترى صحيفة «الجارديان»، أن ستارمر قد يسمح له بالبقاء في منصبه حتى موعد الانتخابات المحلية المقررة في مايو، لكن في حال تعرض الحزب لهزيمة متوقعة هناك فمن المرجح أن يواجه ضغوطًا قوية للتنحي.
رئيس الوزراء البريطاني يبدو منفصلا عن الواقع
ونقلت الصحيفة، عن أحد نواب حزب العمال قوله بصراحة: «لا أعتقد أن هناك شيئًا يمكن أن ينقذه الآن»، كما يشير الاستطلاع نفسه إلى أنه إذا تعرض الحزب لهزيمة في انتخابات مايو فإن 51% من البريطانيين سيطالبون باستقالة رئيس الوزراء.
كما عبرت الصحيفة، عن قلقها من أن رئيس الوزراء يبدو منفصلا عن الواقع وغير قادر على فهم الأسباب الحقيقية للهزيمة، واستشهدت الصحيفة بتصريحات نائب أخر من حزب العمال قال فيها أن «داونينج ستريت» لا يدرك فعلا حجم عدم الشعبية التي يعاني منها الحزب، مضيفًا أن حتى أنصار الحزب لم يعودوا راضين عنه.
في المقابل، يبدو أن حزب العمال لم يستوعب بعد حجم الخطر الذي قد يواجهه في حال جرت انتخابات عامة في الظروف الحالية، فقد طلبت صحيفة «ديلي تيليجراف» من شركة الكترال كالكولاس الاستشارية، المتخصصة في تحليل التوجهات الانتخابية باستخدام نماذج رياضية، أن تحاول تعميم نتائج انتخابات مانشستر على مستوى البلاد، ووفقًا لهذا النموذج الافتراضي سيتصدر حزب إصلاح المملكة المتحدة المشهد السياسي بحصوله على 254 مقعدًا، يليه حزب الخضر بنحو 249 مقعدًا، أما الأحزاب التقليدية الكبرى فستتعرض لهزيمة قاسية للغاية؛ إذ سيحصل حزب العمال على 33 مقعدًا فقط، بينما لن يفوز حزب المحافظين سوى بعشرة مقاعد، بل أن هذا السيناريو يفترض أيضًا خسارة ستارمر ومعظم وزرائه لمقاعدهم البرلمانية.