“شهداء لقمة العيش”بأسيوط يغادرون بحثاً عن حياة كريمة ويعودون بصناديق خشبية
في قرى صعيد مصر، وتحديداً في محافظة أسيوط، لا تفرق الجنازات بين كبير وصغير، لكن الوجع الأكبر دائماً ما يرتبط بهؤلاء الذين غادروها "مجبورين" بحثاً عن "لقمة العيش". هم شباب في مقتبل العمر، تركوا حقولهم وبيوتهم ، وأسرهم ، وحملوا أحلامهم في حقائب سفر بسيطة، ليعودوا إلى مساقط رؤوسهم جثاميناً هامدة، تاركين خلفهم صرخات أمهات لا تنقطع وأطفال يتامى وقصصاً تدمي القلوب.
شهداء لقمة العيش
فلا تبحث العمالة الأسيوطية عن الرفاهية، بل عن “الستر”، فبينما تشهد المحافظة طفرة تنموية مؤخراً، إلا أن موروث الهجرة للعمل في دول الخليج أو ليبيا، أو حتى السفر للمحافظات الساحلية، يظل الخيار الأول للشباب لمواجهة تكاليف الزواج أو بناء منزل للعائلة.
يقول "عم محمد"، أحد أهالي قرى أبنوب والمعروفة بهجرة شبابها إلى إيطاليا رغم قسوة الرحلة.."الولد مننا يشبّ على الدنيا يلاقي قدامه حل من اتنين ،، يا يستنى الفقر، يا يرمي نفسه في حضن الغربة. ولادنا بيسافروا عشان يفتحوا بيوت، بس للأسف كتير منهم بيرجعوا في صناديق، والبيت اللي كانوا بيبنوه بيتحول لمأتم."
شهداء الصحراء والبحر
تتعدد الأسباب والموت واحد. خلال العام الأخير، سجلت أسيوط حالات وفاة لشباب في حوادث طرق مروعة على الطرق الصحراوية أثناء توجههم للعمل، وآخرين فقدوا أرواحهم في "دروب ليبيا" الوعرة نتيجة العطش أو رصاص الجماعات المسلحة، وصولاً إلى ضحايا لقمة العيش في مواقع البناء والتشييد.
قرية المعابدة وقرية بني محمد
فقد شهدتا في الآونة الأخيرة جنازات مهيبة لشباب لم يتجاوزوا الثلاثين، قضوا في حوادث عمل أو غرق.
والمأساة المتكررة غالباً ما تكون الأوراق غير رسمية أو "هجرة غير شرعية"، مما يصعّب من مأمورية استعادة الجثامين، ويزيد من معاناة الأهالي.
بين الفقر والأمل .. من المسؤول؟
تقول بعض الأراء في أسيوط أن ظاهرة "شهداء الغربة" لن تنتهي إلا بخلق فرص عمل حقيقية داخل مراكز المحافظة (مثل منفلوط، القوصية، وصدفا) تتناسب مع طموح هؤلاء الشباب. ورغم جهود الدولة في المبادرات الرئاسية مثل "حياة كريمة"، إلا أن ضغط الظروف الاقتصادية يدفع الكثيرين للمخاطرة بأرواحهم في رحلات مجهولة النتائج.
خاتمة الوجع
تظل أسيوط "محافظة الصابرين"، حيث يختلط عرق العمال بدموع الفراق. كل شهيد لقمة عيش هو قصة طموح قتله العوز، وهو تذكير دائم بأن ثمن الخبز في الصعيد قد يكون أحياناً.. "العُمر نفسه".
ولا ننسي قصة عوض فرحان شهيد الغربة وليمة العيش ابن عرب مطير بمركز أبنوب والذى
فى أثناء عودته من السفر تعرض لـ حادث مروري أليم أسفر عن وفاته لتتحول فرحة الانتظار إلى صدمة قاسية خيمت على أسرته وأهالي قريته وانتشر خبر الوفاة بين الأهالى فى لحظات ليعم الحزن والأسى أرجاء القرية التى فقدت أحد أبنائها فى مشهد إنسانى مؤلم.
ويعود متوفى بعد سنوات قضاها بعيدا عن أهله وبلدته عاش الشاب عوض فرحان تجربة الغربة بكل ما تحمله من تعب وشقاء سعيا وراء لقمة العيش وبناء مستقبل أفضل له ولأسرته لم تكن الغربة سهلة لكنها كانت مليئة بالأمل في يوم عودة قريب يحمل معه الفرح واللقاء بعد طول انتظار....
كما تزخر ذاكرة محافظة أسيوط بوقائع مؤلمة لشباب غادروا بحثاً عن الرزق وعادوا في "نعوش الغربة"،
لا يمكن أن نتجاهل مأساة "صحراء ليبيا" التى راح فيها (شباب قرية المعابدة)
وتعتبر هذه الواقعة من أقسى القصص التي مرت على مركز أبنوب. مجموعة من الشباب، أغلبهم من قرية المعابدة، سلكوا طريق الهجرة غير الشرعية عبر الدروب الصحراوية الليبية. وقد ضل الشباب طريقهم في قلب الصحراء تحت أشعة الشمس الحارقة وبدون ماء أو طعام. و عُثر على جثامينهم متحللة في الرمال بعد أسابيع من اختفائهم. صدمة القرية كانت مضاعفة لأن الضحايا كانوا من عائلات متقاربة، وخرجت القرية عن بكرة أبيها في جنازة رمزية مهيبة، وتحولت "المعابدة" إلى أيقونة للحزن على "شهداء اللقمة المرّة".