في الخامس عشر من ديسمبر الماضي رحل الأستاذ عبد الفتاح عساكر، المفكر الإسلامي المستنير، وأحد مؤسسي موقع أهل القرآن، وأحد الذين أفنوا حياتهم في سبيل الدفاع عن المفهوم الصحيح للدين وتنقية التراث الإسلامي والدفاع عن القرآن كمصدر وحيد للتشريع.
لم يكن عساكر مجرد مفكر عادي، بل كان مدرسة متكاملة في الوسطية والاعتدال، يقضي ساعات طويلة في تصحيح المفاهيم وتفنيد شبهات التطرف والغلو، مجيباً عن أسئلة الناس في شتى المجالات الفكرية والدينية، تجده في أكبر وأهم صالونات الفكر، وتراه مستغرقاً في الحديث مع عوام الناس وبسطائهم.
لم يبخل الراحل على نفسه بجهد، فكان يجوب المحافظات مشاركاً في الندوات، حاضراً بقوة في اللقاءات الإعلامية، معتبراً كل لحظة يقضيها في هذا المضمار عملاً خالصاً لوجه الله.
وفي أحد اللقاءات التلفزيونية التي لا تزال عالقة في الأذهان، جمعته كواليس إحدى القنوات الفضائية بعدد كبير من الشباب، هناك، وبعفويته المعهودة، طرح عليهم سؤالاً اختبارياً: "ما هو الشرط الثاني لدخول الجنة؟" وأتبعه بوعد بمكافأة مادية لمن يجيب.
ساد الصمت المكان، وتوالت نظرات الترقب والحيرة، ولم يجب أحد، لكن الكل كان شغوفاً بسماع الجواب من الرجل الذي عُرف عنه أنه يمتع السامعين بشرحه وتفسيره لآيات القرآن.
عندها ابتسم الأستاذ عساكر وأجاب: "الشرط الثاني لدخول الجنة هو العمل الصالح".
لم يتوقف عند هذا الحد، بل راح في رحلة تدبر لآيات الذكر الحكيم، مؤكداً أن الإيمان في القرآن ليس مجرد تصديق قلبي منعزل عن الواقع، بل هو مقترن دائماً بالسلوك العملي، وأوضح أن الإحصاء القرآني يدل على ذلك، حيث وردت عبارة "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" في نحو خمسين موضعاً، وجاء الجزاء في معظمها بالجنات، كما استشهد بقوله تعالى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الزخرف: 72)، مؤكداً أن العمل الصالح هو السبيل لنيل هذه المنزلة العظيمة.
وكان الراحل يبث في محبيه أملاً عظيماً في رحمة الله، فلم ينس من عرفوه كيف كان يبشرهم هم ومن حولهم بحسن الخاتمة، كان يقول لمن يلقون المشقة في حياتهم العملية أو مع بعض الناس من "باب خفة الدم"، مفسراً أن من يرفع عن الناس العنت ويصبر على صحبتهم، يرفع الله عنه عذاب الدنيا والآخرة، كان يرى في ابتسامة الإنسان وسماحته وصبره على الآخرين عملاً صالحاً يدخل به الجنة.
وكان يرى في جماعة الإخوان شراً، محذراً من ربط اسم الإسلام بهم من خلال مؤلفه المهم "الحقائق بالوثائق عن جماعة الإخوان"، وكان يقول: يكفي أن نسميهم جماعة الإخوان بدون "مسلمين"، كان رأيه أن الإخوان فرقوا الأمة لأحزاب متصارعة في سبيل وصولهم للحكم، وأنه يمكن أن نطلق عليهم: "الإخوان أعداء الأمة"، مؤكداً أنه يستند في ذلك إلى قول الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ" (159 سورة الأنعام).
رحم الله الأستاذ عبد الفتاح عساكر، وجعل ما قدمه من جهد ووقت في خدمة الإسلام وتبصير الناس به في ميزان حسناته، وجعله من أهل الفردوس الأعلى.