من منا يملك يقيناً يكفيه شر القلق؟
قليلون..
من منا يملك يقيناً يكفيه شر القلق في وقت الحرب؟
لا أحد.. على الأغلب
يتابع الجميع الأخبار، رغبةً في التعرف على مجريات الأحداث، أو محاولةً للاطمئنان على أشخاص هم الآن في مرمى الخطر، أو لأنه يعمل في مجال يحتم عليه المتابعة، أو لأن عمله ومصدر رزقه قد تأثر بالأحداث الجسام التي تمر بها المنطقة، لكن المؤكد أن الكل يعيش حالة قلق استثنائية؛ إما خوفاً على نفسه ورزقه، أو خوفاً على أحبائه، فلا أحد ينجو من القلق حين يثور جنون الحرب.
نتمتع نحن بني الإنسان الآن بما لم تحصل عليه أيٌّ من حضارات البشر، نعيش في إمكانيات عالية الوفرة بالنسبة لكل من سبقونا، ويبدو المستقبل أمام البشرية مُحمَّلاً بما لم يخطر على بال أحد، حتى إنه تجاوز خيال أفلام هوليوود؛ لكن، ويا للخسارة، أورثنا ذلك مزيجاً من الخوف والقلق وعدم اليقين لم يعرفه أيضاً أيٌّ ممن سبقونا.
كنا نناقش، وخاصةً وقت الوباء وبعده، الآثار النفسية الصعبة لتلك الفترة العصيبة، بل إن كثيراً من القطاعات المهنية تأثرت، وعرف العالم ما اتُّفِقَ على تسميته بـ"عصر الاستقالة الكبرى"، حيث شهد العالم موجة استقالات غير مسبوقة من الأعمال، ذلك أن الآثار النفسية للوباء وفترات الحظر، وما تسبب فيه من وفيات وأزمات اقتصادية حادة؛ كل ذلك دفع كثيراً من البشر إلى مراجعة أولوياتهم، وإعادة تقييم معتقداتهم، وترتب على ذلك آثارٌ متنوعة، منها مثلاً شيوع مصطلح "الرضا الوظيفي"، وأصبحت الوظائف في كثير من الحالات لا تُقيَّم بالنسبة للعاملين بناءً على الأجور والمزايا العينية؛ وإنما على مرونة ساعات العمل.
لقد اكتشف الإنسان في خضم الأزمة/الوباء أن الحياة تستحق أن تُعاش، وأن التواجد مع الأسرة والأقارب والأصدقاء يستحق التضحية بمزايا مادية، وأن ممارسة الهوايات هو أمر تنازلت عنه البشرية في سبيل التنافسية والسرعة الخرقاء. كان ذلك وقت الوباء، وبعده اضطُرَّت كثير من المؤسسات في العالم لإعادة صياغة لوائح العمل، في الوقت نفسه كان سوق العمل يستقبل بالفعل قوى عمل جديدة لشباب يفكر بشكل مختلف عما كان عليه جيل الآباء. لقد تغير العالم، حتى وإن بدا ذلك مقتصراً على مجتمعات بعينها دون أخرى، لكن التغيير في القيم قد حدث بالفعل.
أما وقد كان العالم يستفيق من أزمة الوباء، إلا ودخل في سلسلة من الحروب الممتدة، يقف من أشعلوها عاجزين عن درء آثارها الممتدة. صحيح أن العالم لم يكن في أي عصر خالٍ تماماً من الحروب، لكن وبما أنه قد تحول إلى قرية صغيرة، فقد طالت النيران بسرعة القرية كلها، ونعيش الآن ربما حرباً عالمية ثالثة، وماذا قد تكون الحرب العالمية إن لم تكن ما نعيشه الآن؟!
وهنا يأتي السؤال: ماذا نحن فاعلون ونحن نعيش عالماً يحترق وتطالنا نيرانه بشكلٍ أو بآخر؟ صحيح أننا محظوظون ببلدٍ أنعم الله عليه أماناً يتمناه الكثيرون في كل بقاع الأرض؛ إلا أنه لا أحد ينجو من حربٍ تعيشها منطقته الجغرافية. من يعمل في الصحافة يحترق بمتابعة الأخبار، والأسر التي يعمل معيلوها في بلدان الخليج تعيش قلقاً قاتلاً، والشراكات التجارية المتشعبة والمتشابكة، وقراءة ومشاهدة الأخبار؛ الحرب تطاردنا في صحونا ونومنا!
وتكون الإجابة هنا أنه لا بديل في مثل هذه الأوقات الضبابية عن أن يسأل الإنسان نفسه عن قيمه الأساسية، وأن يراجع مسلماته، وأن يعيد تقييم بديهياته. فالنجاة في الطائرة تكون بوضع جهاز الأوكسجين على الوجه قبل مساعدة الآخر؛ هكذا يكون منطق النجاة. بيدك أن تختار على الأقل الحفاظ على جهازك العصبي من التعرض المفرط للأخبار، وأن تسأل نفسك كيف يمكنك أن تعيش ما وهبك الله إياه من حياة غالية لا نعرف قيمتها إلا وقت الخطر. ليس كلاماً نظرياً وحسب، بل وسيلة للحفاظ على العقل من الجنون، فاليقين الحقيقي الوحيد هو يقينك بأن لديك نعمة كبيرة فلتحافظ عليها، وأن تتقبل ما يحمله القدر بمرونة هي وحدها القادرة على أن تجعل عقلك يقظاً للتعامل مع مستجدات لم يكن التعرض لها في خطتك لهذه الحياة.
حمى الله الجميع.. وحفظ بلادنا.