رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

 

 

ليست كل الحروب تُخاض من أجل حدودٍ تُرسم أو قواعدَ تُنشأ، فبعض الحروب تُشعلها فكرة، ويُدار لهيبها حول سؤال واحد: من يحكم؟ هكذا بدا المشهد في المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران؛ لم يكن الهدف مجرد ردعٍ عسكري أو تحجيم نفوذ، بل لامس جوهر السلطة ذاتها: استهداف قيادات، ورسائل تهديد لكل من يخلفهم، وتصريحات أمريكية تُلمّح إلى أن "السيناريو الأسوأ" هو أن يتكرر نموذج "خامنئي".

 


خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات توحي بأن واشنطن لا ترى في بقاء النهج الإيراني السابق خيارًا مقبولًا، بل تدعو الإيرانيين صراحةً إلى التغيير، وتفتح الباب للحديث عن قيادة "أكثر اعتدالًا" يمكن أن تساندها، والرسالة لم تكن مبطنة: تغيير النظام هدف مطروح، ومن هنا يصبح السؤال أكبر من ضربة عسكرية أو رد صاروخي: ماذا لو لم يتغير النظام؟ وماذا لو تغير بالفعل؟

 

أولًا: ماذا لو لم يتغير النظام؟

 


إذا بقيت المعادلة السياسية في طهران على حالها، فإن المنطقة ستدخل مرحلة "اللا يقين المزمن"، لن تكون الحرب شاملة، لكنها لن تكون منتهية؛ ستبقى التوترات كامنة، والأسواق متحفزة، والمضائق البحرية تحت عين العاصفة.


الخليج، الذي بنى سرديته الاقتصادية على الاستقرار والأمان والانفتاح، سيكون الأكثر تأثرًا، فالأمن ليس مجرد دوريات بحرية أو منظومات دفاع، بل هو شعور عام بالطمأنينة يشتريه المستثمر قبل أن يشتري الأرض، ومع استمرار التهديدات قد يتآكل جزء من هذه الثقة، إذ إن رؤوس الأموال بطبيعتها تبحث عن اليقين، وأي تصدع في الصورة الذهنية للمنطقة كمركز استقرار سيُترجم إلى تحولات في خريطة الاستثمار.


وفي هذا السياق، قد تتجه بعض الاستثمارات إلى البحث عن أسواق إقليمية بديلة أكثر استقرارًا نسبيًا، وهنا تبرز مصر كأحد أهم الخيارات المطروحة في المنطقة، خاصة بعد ما شهدته خلال السنوات الأخيرة من تطوير واسع للبنية التحتية، من شبكات الطرق والموانئ إلى الطاقة والمناطق الصناعية واللوجستية.

 هذا التطوير يمنح الاقتصاد المصري قدرة أكبر على استيعاب استثمارات تبحث عن بيئة مستقرة ومتصلة بالأسواق الإقليمية والدولية، ما قد يجعلها أحد أبرز المستفيدين من تحولات حركة رؤوس الأموال في حال استمرار التوترات في الخليج.

 

ثانيًا: ماذا لو تغير النظام؟

 


أما إذا حدث التحول الذي تلوّح به واشنطن، فإن المشهد قد ينقلب رأسًا على عقب، تغيير النظام – أيًا كان شكله – سيفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقات الإقليمية، فإيران الجديدة، إذا اختارت مسار التهدئة والانفتاح، قد تقترب من جيرانها في الخليج بدلًا من الاصطدام بهم.


تقاربٌ إيراني–خليجي لن يكون حدثًا عابرًا، بل تحولًا كبيرًا في توازنات المنطقة، ستتراجع كلفة التسلح، وتُعاد توجيه الموارد نحو التنمية، وتُفتح مسارات تعاون في الطاقة والتجارة والممرات البحرية، شرق أوسط أقل توترًا يعني موانئ أكثر ازدحامًا بالتجارة لا بالبوارج.


وفي هذا السيناريو، لن يقتصر أثر الاستقرار على دولة بعينها، بل قد يشمل مختلف اقتصادات المنطقة، فمع تراجع المخاطر الأمنية وعودة الثقة الاستثمارية، قد تشهد دول الخليج موجة جديدة من الازدهار الاقتصادي، مدفوعة بتدفقات الاستثمار وتوسع التجارة والطاقة، كما قد تنفتح فرص أوسع للتكامل الاقتصادي بين دول المنطقة، بما في ذلك مصر، التي يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في شبكات التجارة والنقل والطاقة الإقليمية.


لكن هذا السيناريو ليس ورديًا بالكامل؛ فالتغيير الداخلي يحمل دائمًا مخاطر الفوضى الانتقالية، أي فراغ في السلطة قد يفتح أبوابًا لاضطرابات أو صراعات داخلية أو حتى تدخلات خارجية متنافسة. السؤال لن يكون فقط "من سيحكم؟"، بل "كيف سيتم الانتقال؟"، فالتاريخ يثبت أن التحولات الكبرى قد تُنبت الأمل.. وقد تُطلق العنان لعدم الاستقرار إذا لم تُدار بحكمة.

 

بين الاحتمالين

 


الحقيقة أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق، بقاء النظام يعني استمرار التوتر وإن كان مضبوط الإيقاع، وتغييره قد يفتح أفقًا جديدًا من التهدئة.. أو مرحلة اضطراب انتقالية لا تقل خطورة.


اللافت أن فكرة "تغيير النظام" لم تعد همسًا في كواليس السياسة، بل أصبحت جزءًا من الخطاب العلني، حين تُصرّح قوة عظمى بأنها تبحث عن قيادة بديلة يمكن التعامل معها، فإنها لا تخفي نواياها بل تعلن رهانها، غير أن الرهانات الكبرى لا تُحسم دائمًا وفق إرادة من يضعها.


في النهاية، السؤال ليس فقط عن مصير طهران، بل عن شكل الشرق الأوسط القادم: هل سنشهد منطقة تعيد تعريف توازناتها عبر المصالحة والتقارب؟ أم سنظل ندور في حلقة ضغطٍ متبادل، لا حرب شاملة ولا سلام كامل؟


ما بين بقاء النظام وسقوطه، تتحدد خرائط الاستثمار ومسارات الطاقة وأحلام التنمية، وفي الحالتين ستظل المنطقة أمام إعادة تشكيل اقتصادي وسياسي واسع؛ إما تحت ضغط التوترات المستمرة، أو في ظل مرحلة جديدة من الاستقرار قد تعيد رسم خريطة الفرص في الشرق الأوسط بأكمله.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء