رحيل الكاتبة والمترجمة العراقية لطيفة الدليمي عن عمر يناهز الـ 83 عاماً
عن عمر ناهز السادسة والثمانين عامًا، رحلت صباح اليوم الكاتبة والمترجمة العراقية لطفية الدليمي بعد صراع مع المرض، لتفقد الساحة الثقافية العربية أحد أبرز الأصوات السردية التي تركت أثرًا واضحًا في الرواية والقصة والترجمة والدراسة النقدية على مدى عقود طويلة من العطاء الأدبي والفكري.
مسيرة إبداعية حافلة
وقد جمعت الدليمي في مسيرتها بين الإبداع السردي والعمل الثقافي والترجمة والكتابة النقدية، فأسهمت في إثراء المشهد الأدبي العراقي والعربي عبر تجربة متعددة الجوانب، تنقلت خلالها بين الرواية والقصة القصيرة والمقالة والدراسة الفكرية.
كما ارتبط اسمها بالحضور الفاعل في الحياة الثقافية العربية، حيث شاركت في العديد من المؤتمرات والملتقيات والندوات الفكرية في عدد من البلدان العربية والأوروبية، وأسهمت عبر كتاباتها وأنشطتها الثقافية في ترسيخ مكانتها كأحد أبرز الأسماء في السرد العربي المعاصر.
وخلال مسيرتها التي امتدت لعقود، قدمت الدليمي ما يقارب ستين عملاً بين التأليف والترجمة، تنوعت بين الروايات والمجموعات القصصية والدراسات النقدية، إلى جانب ترجمات لأعمال فكرية وأدبية.

أبرز أعمالها الروائية
ومن أبرز أعمالها الروائية والقصصية: «سيدات زحل»، و«عشاق وفونوغراف وأزمنة»، و«عصيان الوصايا»، و«كرّاساتي الباريسية»، إلى جانب دراسات فكرية ونقدية من بينها «إضاءة العتمة» و«كاليدوسكوب»، التي عكست اهتمامها بالفكر الأدبي والنقدي إلى جانب السرد الإبداعي.
كما قدمت في روايتها «مشروع أومّا» رؤية سردية تتناول إمكانية الخلاص الإنساني داخل عالم يواجه العنف السياسي والصراع الطائفي، في عمل رمزي يستحضر ملامح المجتمع العراقي بعد الاحتلال الأميركي للعراق، حيث تتقاطع فيه قضايا الفساد والسلاح المنفلت وهيمنة الميليشيات مع الأسئلة الوجودية حول المصير والهوية والبحث عن الأمل في واقع مضطرب.
وقد انشغل مشروعها الأدبي، خاصة في الكتابة التي تلت عام 2003، بمحاولة تفكيك الصدمة العراقية الكبرى التي أعقبت الاحتلال وما رافقها من تحولات اجتماعية وسياسية عميقة.
إلى جانب نشاطها الإبداعي، كان للدليمي حضور مؤسسي وثقافي لافت، حيث عملت محررةً للقصة في مجلة «الطليعة الأدبية»، كما تولت منصب مديرة التحرير في مجلة «الثقافة الأجنبية»، وأسهمت عبر هذين المنبرين في دعم الكتابة الإبداعية والتعريف بالأدب العالمي وترجماته. كما واظبت لسنوات طويلة على كتابة الأعمدة الصحفية، التي تناولت من خلالها قضايا الثقافة والفكر والمرأة والمجتمع.
منتدى المرأة الثقافي
وفي إطار اهتمامها بقضايا المرأة والثقافة، أسست عام 1992 مع عدد من المثقفات العراقيات «منتدى المرأة الثقافي» في بغداد، الذي سعى إلى دعم حضور المرأة في المشهد الثقافي والفكري. كما أسست عام 2004 «مركز شبعاد لدراسات حرية المرأة»، في خطوة عكست التزامها بالدفاع عن قضايا الحرية وحقوق المرأة ودورها في بناء المجتمع.
وقد حظيت أعمال الدليمي بانتشار واسع خارج العالم العربي، حيث تُرجمت قصصها إلى عدة لغات من بينها الإنجليزية والبولونية والرومانية والإيطالية، كما تُرجمت روايتها «عالم النساء الوحيدات» إلى اللغة الصينية، وهو ما أسهم في تعريف القراء في ثقافات مختلفة بتجربتها الأدبية وبالسرد العراقي المعاصر.
كما شاركت في العديد من المؤتمرات والندوات والملتقيات الثقافية في بلدان عدة، من بينها تونس والأردن والمغرب وسورية والإمارات، إضافة إلى مشاركات في فعاليات ثقافية بأوروبا مثل إسبانيا وألمانيا، حيث مثلت صوتًا مهمًا للأدب العراقي في المحافل الثقافية الدولية.
وقد حصلت الراحلة على عدد من الجوائز الأدبية تقديرًا لإسهاماتها في مجال السرد والترجمة، من بينها جائزة القصة العراقية عام 2004، وجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي عام 2016، وهو ما يعكس المكانة التي احتلتها في المشهد الثقافي العربي.
صدمة في الوسط الثقافي العربي
وعقب إعلان خبر رحيلها، عبر عدد من الكتاب والمثقفين العرب عن حزنهم لفقدانها، مشيدين بمكانتها الأدبية والإنسانية.
فقد كتب الناقد العراقي الدكتور عبدالله إبراهيم عبر صفحته: «انطفأت اليوم إحدى شموع السرد العربي، غادرت لطفية الدليمي عالمًا أعرضت طويلًا عنه، وعزمت أخيرًا على قطع صلتها به».
ومن جانبها، نعت الكاتبة العراقية سعاد الجزائري الراحلة بكلمات مؤثرة، مشيرة إلى أن رحيلها تزامن مع يوم المرأة العالمي، قائلة إن الحزن تصدر هذا اليوم الذي كان يفترض أن يكون مناسبة للاحتفاء بالمرأة العراقية.
وأضافت أن الدليمي كانت «تكتب كلمات كحمامات سلام»، وأنها تستحق أن يكون لها عيد خاص بالمرأة لما حققته من إنجازات فكرية وأدبية، مؤكدة أن حضورها الإنساني والثقافي سيبقى حيًا في ذاكرة الأدب العربي رغم ألم الغياب.
كما عبر الكاتب التونسي نور الدين بالطيب عن حزنه لرحيلها، مستذكرًا معرفته بها خلال إقامتها في باريس في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، حيث كانت تعيش هناك لاجئة لفترة، قبل أن تقرر العودة إلى عمان، مشيرًا إلى أنها كانت إنسانة ودودة وكاتبة مبدعة تركت أثرًا إنسانيًا وأدبيًا لدى كل من عرفها.
أما الكاتبة التونسية حياة الرايس، فقد وصفت الخبر بأنه فاجع، مؤكدة أن الدليمي رحلت بعد أن أبدعت عوالم سردية غنية في رواياتها، وأنها كانت أيقونة من أيقونات السرد العربي، تركت إرثًا أدبيًا سيظل حاضرًا في الذاكرة الثقافية العربية.