هيئة الكتاب تصدر كتاب «التفضيل الجمالي» في التذوق الفني لشاكر عبدالحميد
أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب كتاب «التفضيل الجمالي.. دراسة في سيكولوجية التذوق الفني» للدكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة الأسبق، ضمن مشروعها لإصدار الأعمال الكاملة لأحد أبرز المفكرين العرب في مجال علم النفس الفني والنقد الجمالي.
سؤال الجمال
يمثل الكتاب محاولة علمية وفكرية للإجابة عن أحد الأسئلة القديمة المتجددة في تاريخ الفكر الإنساني: لماذا نفضل عملاً فنياً على آخر؟ وكيف تتشكل خبرة التذوق الجمالي لدى الإنسان؟ ويسعى المؤلف إلى الاقتراب من هذا السؤال عبر استعراض عدد كبير من الرؤى الفلسفية والنفسية التي حاولت تفسير العلاقة المعقدة بين الإنسان والعمل الفني، مؤكداً أن التذوق الجمالي ليس مجرد استجابة عابرة، بل هو عملية مركبة تتداخل فيها الخبرة الثقافية والإدراك الحسي والخيال والوجدان.
الفلسفة الإغريقية
يستهل الكتاب رحلته الفكرية باستحضار أصداء الفلسفة الإغريقية، وتحديدًا محاورة «فايدروس» لأفلاطون، حيث يستعرض المؤلف مشهدًا حواريًا يجلس فيه سقراط على شاطئ نهر تحفه الأشجار، بعد نقاش طويل حول طبيعة الحب والجمال والروح الإنسانية.
ويشير المؤلف إلى أن الفلاسفة الإغريق كانوا من أوائل من طرحوا سؤال الجمال بوصفه قضية فلسفية كبرى، حيث رأى سقراط أن مواجهة الإنسان لجمال أرضي قد توقظ داخله ذكرى الجمال الحقيقي، فيشعر بما يشبه الحمى الروحية التي تدفعه إلى البحث عن المعنى الأسمى للجمال.

تاريخ الجمال
ومن هذه اللحظة الفلسفية التأسيسية ينطلق الكتاب لاستعراض تاريخ طويل من التأملات الفكرية حول مفهوم الجمال، بداية من الفلاسفة الإغريق وصولاً إلى مفكري العصر الحديث.
ويشير المؤلف إلى أن الجمال كان محورًا أساسيًا في عدد من النظريات الفلسفية الكبرى، حيث تناوله فلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو وكانط وهيجل وشوبنهور وماركس وهايدجر وسارتر، كل منهم من زاويته الخاصة، في محاولة لفهم العلاقة بين الإنسان والعالم من خلال التجربة الجمالية.
علم النفس
يتوقف الكتاب عند إسهامات علم النفس في دراسة الجمال منذ نشأته العلمية في القرن التاسع عشر، حيث اهتم عدد من العلماء بدراسة طبيعة الإدراك الجمالي وتحليل استجابات الإنسان للأعمال الفنية.
ويستعرض المؤلف جهود باحثين مثل فخنر وفونت وفرويد ويونج وأيزنك ورودلف أرنهايم، الذين حاولوا تفسير الكيفية التي يتفاعل بها العقل البشري مع الأشكال الفنية والبصرية والموسيقية، وطرحوا نظريات متعددة لفهم الخبرة الجمالية بوصفها تجربة نفسية معقدة.
نظريات الجمال
يعرض الكتاب أيضًا مجموعة من التصورات الفلسفية الكلاسيكية للجمال، حيث رأى الفيثاغوريون أن الجمال يتجسد في النظام والانسجام والتماثل، بينما ربط ديمقريطس الجمال بالأخلاق والاعتدال.
أما سقراط فقد جمع بين الجمال والخير والمنفعة، في حين اعتبر أفلاطون الجمال صورة عقلية تنتمي إلى عالم المثل. من جانبه، أكد أرسطو أن الجمال يرتبط بعناصر الكلية والتوازن والنقاء والإشعاع، وهي عناصر تساهم في تكوين التجربة الجمالية لدى المتلقي.
الأستطيقا الحديثة
يتناول الكتاب كذلك تطور مفهوم علم الجمال أو «الأستطيقا»، الذي ظهر كمصطلح فلسفي في القرن الثامن عشر مع الفيلسوف الألماني بومجارتن، ليصبح لاحقًا مجالًا معرفيًا مستقلًا يسعى إلى دراسة الظواهر الجمالية والخبرة الفنية.
ويشير المؤلف إلى أن هذا العلم نشأ في أحضان الفلسفة، لكنه سرعان ما تداخل مع مجالات معرفية أخرى مثل علم النفس وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية، مما أتاح له آفاقًا أوسع لفهم الظواهر الفنية.
اتجاهات نفسية
لا يقتصر الكتاب على استعراض النظريات الفلسفية، بل يقدم عرضًا موسعًا للاتجاهات السيكولوجية التي حاولت تفسير الخبرة الجمالية، مثل نظرية التحليل النفسي لدى فرويد وكريس وكلاين، ونظرية الجشطلت لدى رودلف أرنهايم، إضافة إلى الاتجاهات المعرفية الحديثة التي تناولت عمليات الإدراك الفني وكيفية تفسير الدماغ البشري للأشكال والألوان والإيقاعات المختلفة.
تذوق الأطفال
يولي المؤلف اهتمامًا خاصًا بموضوع التفضيل الجمالي لدى الأطفال والمراهقين، محاولًا تتبع كيفية نمو الحس الجمالي عبر مراحل العمر المختلفة، ويعرض في هذا السياق عددًا من الدراسات التي تناولت تذوق الفنون لدى الصغار، وكيف تتطور قدرتهم على فهم الأعمال الفنية وتقديرها، مشيرًا إلى أن التربية الجمالية تلعب دورًا مهمًا في تشكيل الذوق الفني لدى الأفراد منذ مراحل مبكرة من حياتهم.
جماليات معاصرة
يتوسع الكتاب كذلك في رصد الفروع الحديثة لعلم الجمال، مثل جماليات التلفزيون والجماليات البيئية وجماليات التسويق، مؤكدًا أن مفهوم الجمال لم يعد مقتصرًا على الفنون التقليدية فقط، بل أصبح حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، وفي تصميم المدن والمنتجات والوسائط الإعلامية المختلفة، وهو ما يعكس التحولات الكبرى التي شهدها العالم المعاصر في فهمه للخبرة الجمالية.
تنمية الحس
ويختتم الكتاب بطرح مجموعة من الأفكار التي تهدف إلى تنمية الحس الجمالي لدى الأفراد، صغارًا وكبارًا، مؤكدًا أن القدرة على إدراك الجمال وتقديره ليست مجرد ترف ثقافي، بل تمثل جانبًا أساسيًا من التجربة الإنسانية. فالجمال، كما يشير المؤلف، يفتح أمام الإنسان آفاق التأمل والخيال، ويساعده على فهم العالم من حوله بطريقة أكثر عمقًا وثراءً.
ويأتي هذا الإصدار في إطار سعي الهيئة إلى إتاحة أعمال المفكرين البارزين وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة من القراء والباحثين، خاصة تلك التي أسهمت في تطوير الفكر النقدي والجمالي في الثقافة العربية المعاصرة.