منذ فجر التاريخ، تواجه مصر تحديات كبرى فرضتها طبيعة موقعها الجغرافي ودورها الحضاري في المنطقة. فهذه الدولة التي شكّلت عبر آلاف السنين مركزًا للحضارة والثقافة والقوة، لم تكن يومًا بعيدة عن الصراعات التي تقوم بها إسرائيل وتهدف إلى إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط. واليوم، في ظل ما تشهده المنطقة من توترات وصراعات متلاحقة، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نستعد للمعركة، لأننا نعيش مرحلة من أخطر مراحل إعادة ترتيب المنطقة سياسيًا واستراتيجيًا؟
لقد أنعم الله على مصر بالرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة سياسية قوية تدرك طبيعة التحديات التي تحيط بالدولة المصرية، ومؤسسة عسكرية تُعد من أقوى الجيوش في العالم، ليس على مستوى المنطقة فحسب، بل وفق العديد من التقديرات الدولية التي تضع الجيش المصري ضمن الجيوش الأكثر قدرة وتسليحًا وتنظيمًا. وهذه القوة لم تكن يومًا هدفًا في حد ذاتها، بل كانت دائمًا وسيلة لحماية الدولة المصرية والحفاظ على استقرارها وصون أمنها القومي في محيط إقليمي شديد التعقيد تفرضه إسرائيل للسيطرة على المنطقة.
وفي ظل الحروب التي تدور حاليًا في المنطقة، أصبح من الضروري أن يدرك المواطن العربي والمصري على وجه الخصوص طبيعة هذه الصراعات وأبعادها الحقيقية. فالتصريحات التي صدرت عن مسؤولين في الولايات المتحدة الأمريكية وعن قيادات في الكيان الصهيوني وصفت الصراع في المنطقة بأنه صراع ذو أبعاد دينية، بل وصل الأمر لدى بعض الخطابات السياسية والإعلامية إلى الحديث عن الصراع المرتبط بـ"نهاية الزمان". مثل هذه التصريحات تؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة شديدة الحساسية، وتتطلب أعلى درجات الوعي الشعبي والاصطفاف الوطني خلف الدولة ومؤسساتها.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه ما يُعرف بالغزو الثقافي الأجنبي خلال العقود الماضية. فقد كان من بين أخطر أهدافه محاولة طمس الهوية الوطنية والقومية، وإبعاد الأجيال الجديدة عن إدراك طبيعة الصراع التاريخي في المنطقة. فالأجيال السابقة عاشت تجارب الحرب الحقيقية، وشهدت بأعينها الاعتداءات التي تعرضت لها مصر خلال الصراعات الإسرائيلية، وكانت تدرك جيدًا من هو العدو ومن هو المدافع عن الأرض والكرامة.
ومن بين الأحداث التي لا تزال محفورة في ذاكرة المصريين، مجزرة بحر البقر، حينما قصفت الطائرات الإسرائيلية مدرسة بحر البقر الابتدائية في محافظة الشرقية عام 1970، مما أدى إلى استشهاد عشرات الأطفال الأبرياء. لقد كانت تلك الجريمة واحدة من أبشع الجرائم التي يقوم بها العدو الصهيوني في استهداف المدنيين، وتركت جرحًا عميقًا في الوجدان المصري.
كما أن التاريخ سجل أيضًا وقائع مؤلمة تتعلق بقتل أسرى مصريين خلال الحروب، وهي ممارسات تتعارض بشكل واضح مع اتفاقيات جنيف التي تحظر الاعتداء على الأسرى أو المدنيين. ورغم أن هذه القواعد تشكل أساس القانون الدولي الإنساني، فإن العدو الصهيوني لا يعبأ بها لأنه يدرك جيدًا سيطرته على المجتمع الدولي وأنه لن يُحاسب، كما يحدث في الإبادة الجماعية التي يقوم بها ضد الشعب الفلسطيني في الفترة الأخيرة. فكثيرًا من الانتهاكات التي تقوم بها إسرائيل في المنطقة عبر العقود الماضية لم تجد دائمًا المحاسبة العادلة. وما يحدث في الأراضي الفلسطينية لا يزال يمثل واحدة من أكبر المآسي الإنسانية والسياسية في العصر الحديث، حيث تتكرر عمليات القصف والقتل والتهجير ضد الشعب الفلسطيني منذ عقود. كما امتدت دائرة التوتر إلى أكثر من ساحة في المنطقة، سواء في لبنان أو سوريا، في ظل صراعات يفرضها العدو الصهيوني للسيطرة على المنطقة.
والحرب الحالية التي تقوم بها القوات الأمريكية والإسرائيلية دون وجه حق ضد إيران، تعكس بدورها صراعًا أوسع يتعلق بموازين القوى في الشرق الأوسط. وسعي إسرائيل إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يضمن لها تفوقًا استراتيجيًا دائمًا، كما حدث في دول مثل العراق وسوريا.
وفي خضم كل هذه التحولات، يبقى الوعي الشعبي هو خط الدفاع الأول. فالمعركة في عالم اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة وعي وثقافة وإدراك للتاريخ والواقع. لذلك، من الضروري أن نتحدث مع أبنائنا عن تاريخنا وهويتنا، وأن نوضح لهم طبيعة الصراع الذي تفرضه علينا إسرائيل، وأن ندرك أن الهوية الثقافية ليست مجرد تراث نحتفظ به، بل هي عنصر أساسي من عناصر الأمن القومي.
إن بناء وعي الأجيال الجديدة لا يقل أهمية عن بناء الجيوش. فالأمة التي تفقد ذاكرتها التاريخية تصبح أكثر عرضة للتأثير والتوجيه من الخارج. ولهذا فإن الحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية يظل جزءًا لا يتجزأ من معركة البقاء والاستقلال.
وهو ما أدركته إسرائيل مبكرًا، فزرعت في أبنائها منذ صغرهم القتل والوحشية ضد العرب وزعمت في أحقيتها في الدول العربية. فهل ندرك حقيقة الثقافة والهوية الإسرائيلية التي تقوم على القتل والاغتصاب؟ هل نعلم أن النشيد الإسرائيلي وما زرعوه في أطفالهم من صغرهم يتحدث عن قتل المصريين والعرب وأن دولتهم الحقيقية تبدأ من النيل إلى الفرات؟ الثقافة الإسرائيلية قائمة على زرع القتل في نفوس أطفالهم واغتصاب حقوق الآخرين، وهو ما يجب أن ندركه جيدًا.
وفي النهاية، فإن مصر، بتاريخها الطويل وجيشها القوي وشعبها الواعي، كانت دائمًا حجر الزاوية في استقرار المنطقة. ولهذا، فإن وحدة الشعب المصري والتفافه حول دولته ومؤسساته يمثلان الضمانة الحقيقية لمواجهة أي تحديات قادمة، أياً كان شكلها أو طبيعتها.
الاستعداد الحقيقي لأي معركة لا يبدأ فقط بالسلاح، بل يبدأ أولًا بالوعي، وهو ما يجب أن ندركه جيدًا… فهل نستعد للمعركة؟