رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في عالم تتزايد فيه أدوات الصراع غير العسكري، أصبحت الحرب الاقتصادية أحد أبرز وسائل الضغط في العلاقات الدولية المعاصرة. ويعد ما تواجهه إيران خلال السنوات الأخيرة مثالًا واضحًا على هذا النمط من الصراعات، حيث تُستخدم العقوبات الاقتصادية والقيود المالية كوسيلة لإعادة تشكيل سلوك الدولة سياسيًا واستراتيجيًا دون اللجوء المباشر إلى القوة العسكرية.

تعود جذور المرحلة الأكثر حدة من الضغوط الاقتصادية على إيران إلى عام ٢٠١٨، عندما أعلنت الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب انسحابها من خطة العمل الشاملة المشتركة، وهو الاتفاق الذي أُبرم عام ٢٠١٥ بين إيران وعدد من القوى الدولية بهدف الحد من برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية. وقد أعقب هذا الانسحاب إعادة فرض عقوبات واسعة استهدفت قطاعات الطاقة والمصارف والتجارة الخارجية، وهو ما أعاد الاقتصاد الإيراني إلى دائرة الضغوط الدولية.

على المستوى الداخلي، تركت هذه العقوبات آثارًا واضحة على الاقتصاد الإيراني. فقد شهدت العملة المحلية تراجعًا ملحوظًا في قيمتها، كما ارتفعت معدلات التضخم وتزايدت الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين. وتشير تقارير صادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن الاقتصاد الإيراني مر بفترات من الانكماش نتيجة القيود المفروضة على صادرات النفط وعلى قدرة البلاد في الوصول إلى الأسواق المالية العالمية. كما واجهت قطاعات الإنتاج تحديات متزايدة في ظل القيود المفروضة على الاستيراد والتحويلات المالية.

غير أن تأثير الحرب الاقتصادية لا يتوقف عند حدود الدولة المستهدفة. فإيران تمثل فاعلًا مهمًا في معادلة الطاقة العالمية، كما أنها تشرف جغرافيًا على أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، وهو مضيق هرمز. ووفق تقديرات صادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمر عبر هذا المضيق ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية. ولذلك، فإن أي توتر سياسي أو اقتصادي مرتبط بإيران غالبًا ما ينعكس على أسواق الطاقة الدولية، سواء من خلال تقلبات الأسعار أو تصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات.

إقليميًا، تؤثر الضغوط الاقتصادية على إيران في توازنات الشرق الأوسط بشكل أوسع. فالعقوبات لا تستهدف الاقتصاد الإيراني فقط، بل تعيد أيضًا تشكيل أنماط التجارة والتحالفات الاقتصادية في المنطقة. بعض الدول تسعى إلى ملء الفراغ في أسواق الطاقة، بينما تحاول دول أخرى الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع طهران بطرق بديلة لتجنب العقوبات. وبذلك تتحول الحرب الاقتصادية إلى عامل مؤثر في إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي داخل الإقليم.

أما على المستوى العالمي، فإن الحالة الإيرانية تعكس تحولًا مهمًا في طبيعة القوة في النظام الدولي. فالقوة الاقتصادية والمالية أصبحت اليوم أداة مركزية في إدارة الصراعات الدولية، حيث تستطيع الدول الكبرى التأثير في اقتصادات الدول الأخرى من خلال العقوبات أو القيود على النظام المالي العالمي. وقد أشار عدد من منظري العلاقات الدولية إلى هذه العلاقة الوثيقة بين الاقتصاد والقوة السياسية، ومن أبرزهم الباحث روبرت جيلبين الذي أوضح أن التحولات في الاقتصاد الدولي غالبًا ما تكون مرتبطة بإعادة تشكيل موازين القوة بين الدول.

ومن منظور امرأة عربية، تكشف الحرب الاقتصادية عن مفارقة مهمة؛ فبينما تُصاغ العقوبات غالبًا في إطار أهداف سياسية واستراتيجية، فإن آثارها اليومية تظهر بشكل أكبر على المجتمعات. فارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، وتزايد الضغوط المعيشية تصبح جزءًا من الحياة اليومية للمواطن العادي. ومن هنا يمكن قراءة الأزمة الإيرانية ليس فقط كصراع بين دول، بل كحالة تعكس كيف يمكن للأدوات الاقتصادية أن تتحول إلى عنصر حاسم في تشكيل حياة المجتمعات واستقرارها.

في النهاية، تمثل الحالة الإيرانية نموذجًا واضحًا لكيفية تداخل الاقتصاد مع السياسة في النظام الدولي المعاصر. فالحرب الاقتصادية لم تعد مجرد وسيلة ضغط مؤقتة، بل أصبحت جزءًا من بنية الصراع الدولي ذاته. ومع استمرار التوترات السياسية وتنافس القوى الكبرى، يبدو أن هذه الأدوات ستظل حاضرة بقوة في إدارة العلاقات الدولية خلال السنوات القادمة، بما يحمله ذلك من تداعيات ليس فقط على الدول، بل على استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء