موسى الشريفي: اعتذار بزشكيان لدول الجوار بعد هجمات إيران يثير التساؤلات
قال موسى الشريفي، المختص في الشأن الإيراني، أن الظهور العلني للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، من خلال كلمة مسجلة، حمل العديد من الرسائل السياسية المهمة، كان أبرزها تقديم اعتذار واضح لدول الجوار عن الهجمات التي تعرضت لها بعض العواصم والمنشآت في المنطقة، إلى جانب تعهد بإيقاف تلك الهجمات.
وأوضح أن هذا الاعتذار جاء في توقيت بالغ الحساسية، خاصة أنه تزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية والانتقادات الدولية الموجهة لطهران، ما أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة القرار داخل النظام الإيراني، وما إذا كانت هذه التصريحات تعكس تحولًا حقيقيًا في السياسة الإيرانية أو مجرد محاولة لاحتواء الغضب الإقليمي والدولي.
وأشار إلى أن دقائق قليلة فقط بعد بث الكلمة المسجلة، شهدت إطلاق صفارات الإنذار في عدد من العواصم الخليجية مثل الدوحة والبحرين وأبوظبي ودبي، وهو ما ألقى بظلال من الشك حول مدى قدرة القيادة السياسية في إيران على تنفيذ التعهدات التي أعلنتها.
مؤشرات على ازدواجية القرار
وأضاف الشريفي، خلال تصريحات تلفزيونية، أن المشهد يعكس بوضوح طبيعة النظام الإيراني الذي طالما اتسم بوجود جناحين متوازيين في إدارة السياسة الخارجية والأمنية، أحدهما سياسي يسعى إلى التعامل مع المجتمع الدولي وفق قواعد الدبلوماسية المعترف بها، والآخر عسكري أيديولوجي تقوده قيادات الحرس الثوري الإيراني.
وأوضح أن هذا التباين ليس جديدًا، بل رافق النظام الإيراني منذ عقود، حيث تظهر هذه الازدواجية بوضوح في العلاقة بين المؤسسات السياسية الرسمية من جهة، والمؤسسة العسكرية والأمنية من جهة أخرى.
وأشار إلى أن هذا الصراع ظهر بوضوح في السابق خلال فترة تولي محمد جواد ظريف منصب وزير الخارجية، عندما تحدث علنًا عن أن المؤسسة العسكرية فرضت تأثيرها على السياسة الخارجية الإيرانية، في إشارة إلى النفوذ الواسع الذي كانت تمارسه قيادات عسكرية مثل قاسم سليماني.
هل يقف الحرس الثوري خلف التصعيد العسكري؟
ولفت إلى إن العديد من المؤشرات توحي بأن التصعيد الأخير ضد دول الجوار قد يكون قرارًا اندفع إليه الجناح العسكري داخل النظام الإيراني، وليس نتيجة توجه سياسي متفق عليه داخل مؤسسات الدولة.
وأكد أن بعض القيادات المرتبطة بالحرس الثوري، ومن بينها شخصيات سياسية ذات خلفية عسكرية مثل علي لاريجاني، ما زالت تمتلك تأثيرًا كبيرًا في رسم السياسات الأمنية والعسكرية، الأمر الذي قد يفسر استمرار العمليات العسكرية رغم التصريحات السياسية الداعية إلى التهدئة.
وتابع أن ردود الفعل الدولية والإقليمية الواسعة التي أدانت تلك الهجمات وضعت القيادة الإيرانية في موقف محرج، وهو ما دفع الرئيس بزشكيان إلى محاولة امتصاص هذا الغضب عبر تقديم الاعتذار والتأكيد على وقف الهجمات.
سياسة الاحتواء الخليجية
وأشار إلى أن أحد العوامل التي دفعت طهران إلى التراجع النسبي في خطابها السياسي هو الموقف الخليجي الذي اتسم بالحكمة وضبط النفس، حيث اختارت الدول العربية عدم الانجرار إلى تصعيد عسكري واسع رغم الهجمات.
وأوضح أن هذا الموقف أفسد إلى حد كبير خطة بعض التيارات المتشددة داخل إيران التي كانت تراهن على توسيع نطاق الصراع الإقليمي، بهدف فرض معادلة جديدة تدفع المجتمع الدولي إلى التدخل لوقف الحرب بشروط تخدم المصالح الإيرانية.
وأكد أن هذه الاستراتيجية كانت تقوم على فرض واقع إقليمي متوتر يجبر القوى الكبرى على البحث عن تسوية سياسية شاملة، لكن الرد العربي الذي اقتصر على الدفاع الجوي واحتواء الهجمات دون توسيع دائرة الحرب أدى إلى إحراج طهران سياسيًا.
محاولة لاحتواء أزمة سياسية دولية
وأشار إلى أن اعتذار بزشكيان لا يمكن فصله عن الضغوط الدولية المتزايدة التي تواجهها إيران، خاصة في ظل الاتهامات المتكررة لها بمحاولة زعزعة استقرار المنطقة وجرها إلى صراعات عسكرية واسعة.
ووضح أن الرئيس الإيراني يسعى من خلال هذه التصريحات إلى مخاطبة المجتمع الدولي بلغة دبلوماسية أكثر هدوءًا، في محاولة للحفاظ على صورة الدولة الإيرانية في الخارج وتقليل الخسائر السياسية والمعنوية التي قد تترتب على استمرار التصعيد، كما أن الدائرة السياسية المحيطة بالرئيس الإيراني، والتي تضم شخصيات إصلاحية ودبلوماسية بارزة، تدرك حجم التكلفة السياسية والاقتصادية التي قد تتحملها طهران إذا استمرت سياسة التصعيد العسكري دون ضوابط.
هل يلتزم العسكر بتعهدات الرئيس الإيراني؟
وفي ختام حديثه، يرى موسى الشريفي، أن مستقبل التوتر في المنطقة سيعتمد إلى حد كبير على مدى التزام المؤسسة العسكرية الإيرانية بالتعهدات التي أعلنها الرئيس بزشكيان، مؤكدًا أن استمرار الحرب أو التصعيد العسكري قد يؤدي إلى استنزاف قدرات إيران، خاصة في ما يتعلق بالصواريخ والطائرات المسيرة، في وقت يمتلك فيه الطرف المقابل إمكانيات عسكرية وتكنولوجية واستخباراتية كبيرة.

