مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حرصت عدة عواصم أوروبية على تقديم نفسها إعلاميًا باعتبارها طرفًا غير منخرط بشكل مباشر في الصراع، مكتفية بالدعوة إلى التهدئة أو التأكيد على ضرورة احتواء التصعيد. غير أن تطورات الأيام الأولى للحرب تكشف صورة أكثر تعقيدًا، تشير إلى أن أوروبا أصبحت بالفعل جزءًا من المشهد العسكري والسياسي المرتبط بهذا الصراع، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة وبخطاب سياسي أكثر حذرًا.
فبعد ساعات قليلة من بدء العمليات العسكرية، فتحت كل من بريطانيا وفرنسا قواعدهما العسكرية في الشرق الأوسط أمام القوات الأمريكية، الأمر الذي أتاح لواشنطن استخدام هذه القواعد ضمن بنيتها العملياتية في الحرب. كما شاركت قوات أوروبية في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت إسرائيل وبعض القواعد العسكرية الغربية في المنطقة، في إطار ما تصفه هذه الدول بدور دفاعي يهدف إلى حماية قواتها ومصالحها المنتشرة في الشرق الأوسط.
وفي السياق نفسه، دفعت فرنسا بحاملة الطائرات شارل ديجول إلى شرق البحر المتوسط، في خطوة قالت باريس إنها تهدف إلى حماية القواعد والمصالح التابعة لحلف شمال الأطلسي في المنطقة. أما في برلين، فقد سارع المستشار الألماني فريدريش ميرز إلى زيارة واشنطن بعد اندلاع الحرب، معلنًا دعمه لأهداف الحرب الأمريكية والإسرائيلية علي إيران، بما في ذلك إضعاف وإسقاط النظام الإيراني.
ولم يقتصر الأمر على الدول الأوروبية الكبرى بل أتخذ بعداً يورو-أطلسي أيضاً، إذ أعلن أمين عام الناتو مارك روته دعم الحلف للضربات الأمريكية، في مؤشر على أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بل بات يتحرك تدريجيًا ضمن إطار أوسع يتعلق بالتحالفات الغربية. وحتى كندا، التي شهدت علاقتها بإدارة ترامب قدرًا من التوتر الكبير خلال الفترة الماضية، ألمحت بدورها إلى إمكانية التدخل العسكري لدعم الولايات المتحدة وإسرائيل إذا تطور الصراع بشكل أكبر.
غير أن الدور الأوروبي في هذه الحرب لا يمكن فهمه فقط من زاوية التحركات العسكرية الراهنة، بل يجب النظر إليه أيضًا في سياق السياسات التي سبقت اندلاعها. فالدول الأوروبية الثلاث الكبرى، بريطانيا وفرنسا وألمانيا المعروفة بدول الترويكا الأوروبية في سياق مفاوضات الملف النووي الإيراني، لعبت دورًا مهمًا في المسار الذي انتهى عمليًا بتفكيك الإطار التنفيذي لاتفاق 2015.
فقد قامت هذه الدول بتفعيل ما يُعرف بـ آلية الزناد، التي أدت إلى إعادة فرض العقوبات الأممية على إيران، وهو ما ساهم في تعميق الأزمة الاقتصادية داخل البلاد وبدد فرص إنقاذ اتفاق 2015. وقد أسهمت هذه الخطوة الأوروبية في تهيئة البيئة السياسية التي سبقت المواجهة العسكرية الحالية، إذ أدى إعادة تفعيل آلية الزناد عمليًا إلى انهيار الإطار التنفيذي للاتفاق النووي.
كما أفسدت هذه الخطوة الاتفاق الذي تم التوصل إليه في القاهرة بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بوساطة مصرية، والذي كان يهدف إلى استئناف التعاون الفني بين الطرفين وفتح نافذة لإعادة إحياء المسار الدبلوماسي.
وفي الوقت ذاته، لعبت عودة العقوبات الدولية دورًا مهمًا في تفاقم التدهور الاقتصادي داخل إيران، وهو ما ساهم في اندلاع موجة الاحتجاجات الأخيرة. وقد مثلت طريقة تعامل النظام الإيراني مع تلك الاحتجاجات أحد العوامل التي استغلتها الولايات المتحدة وإسرائيل لاحقًا لدفع مسار التصعيد، الذي انتهى في النهاية إلى اندلاع الحرب الحالية.
إلى جانب ذلك، لا يمكن فهم الحسابات الأوروبية في هذه الحرب دون النظر إلى عامل الطاقة. فإغلاق مضيق هرمز خلال الأيام الأخيرة، واستهداف عدد من السفن التجارية في الخليج، بما في ذلك سفن مرتبطة بشركات أوروبية، أدى إلى اضطراب كبير في حركة الملاحة البحرية وارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، وهو ما انعكس سريعًا على الأسواق الأوروبية التي لا تزال تعاني آثار أزمة الطاقة الناشئة عن الحرب الأوكرانية وفقدان جزء كبير من إمدادات الغاز والنفط الروسي.
ومع اعتماد أوروبا المتزايد على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج، فإن استمرار تعطيل الملاحة في مضيق هرمز يمثل تهديدًا اقتصاديًا مباشرًا لاقتصاداتها. وفي مثل هذا السياق، قد تجد العواصم الأوروبية نفسها أمام ضغوط متزايدة للانتقال من دور الدعم الدفاعي الحالي إلى المشاركة في عمليات أوسع تستهدف تأمين خطوط الملاحة وإعادة فتح أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
ولا يمكن فصل الموقف الأوروبي في هذه الحرب عن اعتبارات التماسك داخل حلف شمال الأطلسي. فخلال السنوات الأخيرة شهدت العلاقات عبر الأطلسي قدرًا من التوتر والتباين في عدد من الملفات الاستراتيجية، أبرزها التجارة والحرب الأوكرانية وأعباء الأمن والدفاع. وفي مثل هذا السياق، قد تمثل الحرب على إيران لحظة تعيد توحيد المواقف داخل المعسكر الغربي، حيث تميل أغلب الدول الأوروبية الوازنة إلى الاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة للحفاظ على تماسك التحالف اليورو أطلسي ومنع ظهور انقسامات استراتيجية في لحظة تاريخية شديدة الحساسية.
في ضوء ذلك، يبدو أن أوروبا تتحرك وفق معادلة مزدوجة، فهي تحاول سياسيًا الحفاظ على صورة الطرف الذي لا يسعى إلى توسيع الحرب، لكنها عمليًا تساهم بدرجات مختلفة في تأجيج الحرب علي إيران.
ولا يقتصر هذا التناقض على السياسات المعلنة فحسب، بل يظهر أيضًا في تفاصيل العلاقات بين القادة الغربيين. فقد كشفت رسالة نصية أرسلها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل مؤتمر دافوس، ونشرها ترامب لاحقًا على منصات التواصل الاجتماعي، عن وجود مساحة توافق واسعة بين الطرفين في عدد من الملفات، كان من أبرزها الملف الإيراني.
كل ذلك يشير إلى أن الخطاب الأوروبي حول الحياد أو عدم الانخراط الكامل في الحرب لا يعكس الصورة الكاملة. فبينما تحاول العواصم الأوروبية تجنب الظهور كطرف مباشر في الصراع، فإن تحركاتها العسكرية والسياسية تشير إلى دور أكثر فاعلية في إدارة هذا النزاع وتداعياته.
ويبقى السؤال المطروح في المرحلة المقبلة، هل سيظل الدور الأوروبي محصورًا في هذا المستوى من الدعم غير المباشر، أم أن تطورات الحرب، خاصة إذا استمر تعطيل شريان الطاقة في مضيق هرمز، قد تدفع أوروبا تدريجيًا نحو انخراط أكثر وضوحًا في الصراع؟
الإجابة عن هذا السؤال ستعتمد إلى حد كبير على مسار الحرب نفسها، وعلى مدى قدرة الأطراف المختلفة على احتواء التصعيد الإقليمي الآخذ في التوسع منذ اندلاع هذه الحرب، قبل أن يتحول إلى مواجهة أوسع قد تعيد رسم التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط.
- # دونالد ترامب
- # الشرق الأوسط
- # ترامب
- # إسرائيل
- # ماكرون
- # بريطانيا
- # واشنطن
- # مصر
- # القوات الأمريكية
- # مارك روته
- # حركة الملاحة
- # العمليات العسكرية
- # القواعد العسكرية
- # الحرب الأمريكية
- # الحرب على إيران
- # النفط والغاز
- # اندلاع الحرب
- # مؤتمر دافوس
- # الحرب الأمريكية الإسرائيلية
- # الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران
- # دافوس