في ذكرى رحيله.. جمال الدين الأفغاني رائد الإصلاح والنهضة بالعالم الإسلامي
تمر اليوم 7 من مارس ذكرى رحيل جمال الدين الأفغاني باعتبارها مناسبة لاستعادة واحد من أبرز العقول التي أثرت في الفكر العربي والإسلامي في القرن التاسع عشر، حيث شكل مشروعه الفكري أحد أهم محاولات النهوض بالأمة في مواجهة التحديات السياسية والثقافية التي فرضها العصر الحديث، جمع بين الفلسفة والسياسة والإصلاح الديني، وترك أثرًا عميقًا في أجيال من المفكرين الذين واصلوا مسيرته في الدعوة إلى الإصلاح والتجديد.
مولد جمال الدين الأفغاني
وُلد الأفغاني عام 1838 في منطقة أسعد آباد، ويرجح بعض الباحثين أنها في أفغانستان، بينما تشير روايات أخرى إلى إيران، لكنه اشتهر بلقب "الأفغاني"، وهو الاسم الذي التصق به في رحلاته وتنقلاته بين عدد كبير من البلدان الإسلامية؛ و منذ شبابه أظهر نبوغًا واضحًا في العلوم الدينية والفلسفة واللغة، فدرس الفقه والحديث والفلسفة والمنطق، ثم انطلق في رحلة فكرية وسياسية واسعة شملت الهند وأفغانستان وإيران والعراق ومصر والدولة العثمانية وأوروبا.
دور الأفغاني في مصر
في مصر، التي وصل إليها في سبعينيات القرن التاسع عشر، لعب الأفغاني دورًا مهمًا في تنشيط الحياة الفكرية والسياسية، فقد التف حوله عدد من الشباب والمثقفين الذين تأثروا بأفكاره الإصلاحية، وكان من أبرزهم تلميذه الأشهر محمد عبده، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز رموز الإصلاح الديني في العالم الإسلامي.
كما دعا الأفغاني في دروسه ومقالاته إلى إحياء روح الاجتهاد في الفكر الإسلامي، ورفض الجمود والتقليد، مؤكدًا أن الإسلام دين قادر على مواكبة العصر والتفاعل مع معطيات العلم والحضارة الحديثة.
موقف الأفغاني ضد الاستعمار الأوروبي
كما عُرف الأفغاني بمواقفه السياسية الحادة ضد الاستعمار الأوروبي الذي كان يتوسع في العالم الإسلامي آنذاك وعمل على وحدة المسلمين وتضامنهم لمواجهة الهيمنة الأجنبية، وكان من أوائل المفكرين الذين طرحوا فكرة التضامن الإسلامي باعتبارها وسيلة للدفاع عن استقلال الدول الإسلامية وهويتها الحضارية.
محطات الأفغاني الفكرية
ومن أبرز محطاته الفكرية مشاركته في إصدار صحيفة العروة الوثقى في باريس عام 1884 بالتعاون مع محمد عبدهـ، وشكلت هذه الصحيفة منصة فكرية للدعوة إلى الإصلاح ومقاومة الاستعمار، وانتشرت أفكارها في عدد من البلدان الإسلامية رغم محاولات منعها ومصادرتها من قبل السلطات الاستعمارية.
لم تكن حياة الأفغاني هادئة، فقد اصطدمت أفكاره بالسلطات في أكثر من بلد، ما أدى إلى نفيه أو إبعاده مرات عديدة، لكنه ظل مؤمنًا بضرورة الإصلاح الفكري والسياسي، وبأن نهضة الأمة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال العلم والحرية وإحياء روح الاجتهاد.
استقر الأفغاني في سنواته الأخيرة في إسطنبول بدعوة من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، حيث عاش تحت رقابة سياسية حتى وفاته عام 1897، ورغم الجدل الذي أحاط بشخصيته وأفكاره، ظل تأثيره حاضرًا في مسارات الفكر الإصلاحي في العالم الإسلامي، واليوم يمر قرن على رحيله.