شيخ الأزهر: اسم "القهار" يوضح قدرة الله تعالى المطلقة وهيمنته على الكون
قال فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، أن اسم الله القهار من الأسماء العظيمة التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية، ويحمل دلالات عميقة تتعلق بقدرة الله تعالى المطلقة وهيمنته على الكون، موضحًا أن هذا الاسم ورد في القرآن بصيغتين هما القهار والقاهر، كما في قوله تعالى: «وهو القاهر فوق عباده»، وقوله سبحانه: «لمن الملك اليوم لله الواحد القهار».
وأوضح أن علماء اللغة والتفسير تناولوا هذا الاسم بالبحث والتحليل، فربطوا بين معناه اللغوي ودلالته الشرعية، مؤكدين أن كلمة القاهر مأخوذة من القهر، وهو في اللغة يعني الإخضاع والإذلال والخضوع المطلق لقوة أعلى.
القهار قاهر الجبابرة والطغاة
وأضاف الطيب، خلال لقاء على شاشة القناة الاولى، أن أحد المعاني الأساسية لاسم الله القهار يتمثل في قهر الجبابرة والطغاة الذين يعيثون في الأرض فسادًا، حيث يقصم الله ظهورهم بوسائل مختلفة قد تكون بالموت أو الهزيمة أو المرض، وذلك تحقيقًا للحكمة الإلهية التي تقتضي ألا يُترك الظالمون يعبثون بعباد الله دون حساب.
واوضح أن العدل الإلهي والمنطق الإنساني يرفضان أن يُترك المجال كاملاً للطغاة والجبابرة ليستبدوا بالضعفاء ويقضوا على المظلومين، مؤكدًا أن وجود قهر إلهي لهؤلاء الظالمين ضرورة لاستقامة ميزان الحياة وحفظ حقوق البشر.
وبين أن الحياة الدنيا بطبيعتها تقوم على وجود الخير والشر، ولذلك فإن قهر الله للطغاة وجند الشر يمثل جزءًا من النظام الإلهي الذي يحفظ توازن الكون ويمنع الفوضى والفساد.
خضوع الكون كله لمشيئة الله
وأكد شيخ الازهر الشريف، أن المعنى الآخر لاسم الله القهار يتمثل في خضوع جميع المخلوقات لمشيئة الله تعالى وقدرته، فكل ما في الكون من مخلوقات يخضع لقوانين إلهية دقيقة لا يمكن أن تختل لحظة واحدة.
وأشار إلى أن الإنسان حين يتأمل في الكون، سواء في العالم العلوي المتمثل في السماوات والكواكب أو في العالم السفلي الذي يضم الإنسان والحيوان والنبات، يدرك أن كل شيء يسير وفق نظام دقيق وقانون إلهي محكم.
وتابع أن هذا الخضوع يشبه إلى حد ما خضوع الإنسان للقوانين التي تنظم حياته، فالقانون يلزم الناس بعقوبات محددة على أفعال معينة، وبالتالي يخضع الجميع له حفاظًا على النظام العام، وكذلك الكون كله يخضع للقانون الإلهي الذي ينظمه ويسيره.
الكون مصنع كبير يسير بنظام دقيق
ولفت الإمام الأكبر، إلى أن الكون أشبه بمصنع ضخم يعمل وفق نظام بالغ الدقة، فلو اختل هذا النظام لحظة واحدة لتوقفت الحياة واختلت موازين الكون.
وأضاف أن المصانع في حياة البشر لا يمكن أن تعمل دون نظام دقيق ينظم عملياتها، فكيف بالكون العظيم الذي يحتوي على مليارات الكواكب والمجرات، مشددًا على أن انتظام هذا الكون دليل واضح على وجود إرادة عليا وقدرة إلهية تحكمه وتدبر شؤونه.
وأشار إلى أن هذا المعنى من القهر لا يعني الظلم أو الإذلال، وإنما يعني إخضاع الكون بأسره لإرادة واحدة وقدرة واحدة تدير كل شيء بدقة وحكمة.
نقض العزائم دليل على القدرة الإلهية
وتحدث شيخ الأزهر، عن مظاهر أخرى لقهر الله في حياة الإنسان، ومنها ما يسميه العلماء نقض العزائم، أي أن الإنسان قد يخطط ويحسب كل شيء بدقة ويظن أن النتائج في يده، لكنه يفاجأ أحيانًا بحدوث العكس تمامًا، وهذه الظاهرة تعكس وجود قوة أعلى من قدرة الإنسان تتحكم في النتائج النهائية للأمور، مشيرًا إلى أن الإنسان قد يسعى لتحقيق هدف معين بكل الوسائل الممكنة، ومع ذلك لا يصل إليه.
ونوه الإمام الأكبر إلى أن القهر الإلهي يظهر أيضًا في سنن الحياة المختلفة، مثل رغبة الإنسان في طول العمر أو كثرة الرزق أو زيادة الأبناء، بينما قد تتحقق أحيانًا نتائج مخالفة لتلك الرغبات رغم توافر الأسباب، فالإنسان قد يتمنى ألا يصيبه المرض أو الضعف أو الشيخوخة، لكنه يجد نفسه خاضعًا لهذه السنن الكونية التي لا يستطيع تغييرها.
القهر لا يعني الظلم
وأكد شيخ الأزهر، أن القهر الإلهي لا يعني الظلم أو الانتقاص من الإنسان، وإنما يعني ضبط الكون بإرادة واحدة وقدرة عليا تدير كل شيء وفق حكمة إلهية دقيقة.
كما أوضح أن المؤمنين الصادقين يعيشون هذا المعنى في حياتهم اليومية، فهم يدركون أن كل ما يحدث في الكون يجري بعلم الله وإرادته، وأنه سبحانه يعلم كل شيء حتى سقوط الورقة من الشجرة، كما قال تعالى: «وما تسقط من ورقة إلا يعلمها».
موقف الإسلام من شبهات الملحدين
وتطرق إلى بعض الشبهات التي يثيرها الملحدون حول أسماء الله الحسنى التي تتضمن معاني القوة والقهر مثل الجبار والقهار، موضحًا أن هذه التساؤلات ليست جديدة بل طُرحت منذ عصور قديمة.
وتابع أن كثيرًا من هذه الاعتراضات تصدر إما عن أشخاص عرفوا الحقيقة ثم أنكروا عنادًا، أو عن آخرين لم تصلهم الدعوة الإسلامية بصورة صحيحة بسبب التشويه الإعلامي أو المفاهيم الخاطئة.
حظ المسلم من اسم الله القهار
وفي ختام حديثه، أوضح الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، أن حظ المسلم من اسم الله القهار لا يعني قهر الناس أو التسلط عليهم، وإنما يتمثل في قهر أعدائه الحقيقيين الذين يهددون صلاحه واستقامته، حيث أن أول وأخطر هذه الأعداء هو النفس الأمارة بالسوء، التي تميل إلى الشهوات والمعاصي، كما أن هناك عدوًا آخر يتمثل في الشيطان الذي يسعى لإغواء الإنسان، بالإضافة إلى الهوى الذي قد يقود الإنسان إلى الانحراف عن طريق الحق.

