اشتعلت الحرب "الصهيوأمريكية" على إيران، وتورطت منطقتنا العربية في تداعياتها، ومر على اندلاع الحرب أسبوع كامل دون أن يعرف أحد متى تتوقف أو متى تنتهي آثارها.
وفي مثل هذه الأجواء يضع المواطن المصري يده على قلبه خوفًا من موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، وهي العادة التي كثيرًا ما تصاحب الأزمات والحروب حتى لو لم يكن لها أي تأثير على أسواقنا، حيث اعتاد بعض ضعاف النفوس من التجار استغلال حالة القلق العام لرفع الأسعار دون مبرر حقيقي.
غير أن حماية المواطن من هذا النوع من الاستغلال تظل في يد الدولة، وبالتحديد في يد سلطة رئيس مجلس الوزراء.
الرئيس عبد الفتاح السيسي من جانبه وجّه تحذيرًا صريحًا للأسواق من استغلال الأزمات لرفع الأسعار، مؤكدًا أن الدولة لن تسمح بتحويل الظروف الدولية المضطربة إلى فرصة لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب المواطنين.
والحقيقة أن القانون المصري لم يترك مسألة ضبط الأسواق للأهواء أو الاجتهادات الفردية، أو حتى لنية الحكومة أو قدراتها، بل وضع إطارًا واضحًا لمواجهة الاحتكار والتلاعب، وحتى الآن يمكن التأكيد أن الدكتور مصطفى مدبولي قد تفاعل مع حركة الأسواق، وعمل صلاحياته لضبط أداء السوق.
ففي مطلع عام 2024 أصدر رئيس الوزراء قرارًا مهمًا بتحديد عدد سبع سلع استراتيجية يُحظر حبسها عن التداول أو إخفاؤها، ويتم تجديد العمل بهذا القرار بشكل دوري لضمان إحكام الرقابة عليها، وتشمل هذه السلع زيت الطعام والفول والأرز والمكرونة والسكر والألبان والجبن الأبيض.
وبموجب المادة (8) من قانون حماية المستهلك يُلزم التجار المتعاملون في هذه السلع بالإخطار عن كميات المخزون لديهم، ويحظر عليهم حجبها عن الأسواق، ويواجه المخالفون عقوبات صارمة تصل إلى الحبس لمدة لا تقل عن عام، إلى جانب غرامات مالية قد تبلغ ملايين الجنيهات.
لكن في ظل الظروف الاستثنائية التي نمر بها، قد لا يكون الاكتفاء بهذه القائمة المحدودة كافيًا لضمان الحماية الكاملة للمواطنين من الاستغلال، فهناك سلع أخرى لا تقل أهمية في حياة الناس، وتخضع بالفعل لرقابة الدولة عبر قرارات وزارية أو تدخلات عاجلة عند حدوث أزمات.
ومن بين هذه السلع اللحوم والدواجن التي يتم إدراجها – أحيانًا – ضمن السلع الاستراتيجية في مواسم ارتفاع الطلب عليها مثل شهر رمضان أو عيد الأضحى لضبط أسعارها، كذلك الأسمدة والتقاوي، وهي سلع حيوية للقطاع الزراعي، وتصدر بشأنها قرارات دورية لمنع تسريبها إلى السوق السوداء.
أيضًا المواد البترولية مثل البنزين والسولار وأنابيب البوتاجاز، وهي سلع استراتيجية بطبيعتها وتخضع لتسعير جبري ورقابة مشددة وفق قوانين التموين.
يضاف إليها الأدوية والمستلزمات الطبية التي تشرف عليها هيئة الدواء المصرية، ويُعد احتكارها – خاصة الأدوية المنقذة للحياة – جريمة خطيرة قد تصل إلى مستوى جرائم أمن الدولة في أوقات الأوبئة أو الأزمات.
ولهذا منح القانون رئيس مجلس الوزراء صلاحيات واسعة للتدخل السريع عند الضرورة، فوفقًا للمادة (8) من قانون حماية المستهلك، يملك رئيس الحكومة – بناءً على عرض وزير التموين – سلطة إدراج أي سلعة ضمن قائمة السلع الاستراتيجية، لكن بشرط رصد اللجنة العليا لضبط الأسواق نقصًا فيها أو تلاعبًا بأسعارها، وهو الحادث بالفعل في أسواق اللحوم بأنواعها الحمراء والبيضاء، فضلًا عن أسعار الألبان ومشتقاتها التي ارتفع سعرها دون مبرر خلال الشهور الماضية رغم إدراجها ضمن السلع الاستراتيجية.
وفي ظل الأحداث الجارية أصبح من الضرورة التوسيع في دائرة السلع الاستراتيجية ولو مؤقتًا كإجراء احترازي يقطع الطريق على أي محاولات لاحتكار السلع أو التلاعب بأسعارها.
فالحرب الفعلية تقع خارج الحدود، لكن آثارها الاقتصادية تصل سريعًا إلى الداخل، وهنا يصبح دور الدولة ضروريًا في حماية الأسواق والمواطنين معًا، فحق المواطن على حكومته هو الحماية من الاستغلال والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ومنع تحويل الأزمات الدولية إلى عبء جديد على كاهل المواطن.