في صيف عام 2017، اهتزّ وجدان العراقيين والعالم الإسلامي مع انهيار "مسجد النوري الكبير" ومنارته الحدباء الشهيرة في مدينة "الموصل" العراقية، خلال المعارك التي دارت لاستعادة المدينة من قبضة تنظيم داعش. المسجد الذي شُيّد قبل نحو تسعة قرون بأمر من "نور الدين زنكي"، ظلّ عبر القرون شاهدًا على تعاقب الدول والأحداث، حتى وإن تعرّض للهدم وإعادة البناء أكثر من مرة، بينما بقيت منارته رمزًا لا يُمسّ، وعنوانًا بصريًا لذاكرة المدينة. ويقع المسجد في حي يُعرف تاريخيًا باسم “محلة الجامع الكبير”، في قلب "الموصل" القديمة.
وقد أثار سقوط هذا المسجد آنذاك موجة عارمة من الجدل.
فبينما رجّحت بعض الروايات أن الضربات الجوية التي نفذتها "الولايات المتحدة الأمريكية" و"قوات التحالف الدولي ضد داعش" هي التي تسببت في تدميره، بالنظر إلى رمزيته المرتبطة بإعلان زعيم التنظيم "أبو بكر البغدادي" دولته المزعومة من على منبره، ذهبت روايات أخرى إلى أن عناصر التنظيم أقدموا على تفجيره قبيل انسحابهم من المدينة التي فطنوا أنهم لن يرجعوا إليها.
وتبادل الطرفان الاتهامات بهدم المسجد التاريخي، في إدراكٍ واضحٍ لِفداحة الجرم؛ فالمسألة لم تكن تتعلق ببناء حجري فحسب، بل بإرث حضاري يُعد ملكًا للإنسانية كلها.
ولم تكن مدينة "الموصل" وحدها ضحية هذا الاستهداف الممنهج للرموز التاريخية. ففي "سوريا"، وخلال فترة سيطرة داعش على مساحات واسعة من البلاد، تعرّضت أضرحة ومواقع أثرية عريقة للتدمير والنهب، في مشهد أعاد إلى الأذهان هشاشة التراث الإنساني حين يقع في مرمى الصراعات المسلحة والتطرف الأيديولوجي.
واليوم، تتجدد المخاوف مع الأضرار التي لحقت بـ "قصر جولستان" في العاصمة الإيرانية "طهران"، وهو موقع مُدرج على قائمة التراث العالمي. فقد تسببت انفجارات عنيفة في تحطم أجزاء من قاعات المرايا الشهيرة وزخارفه الدقيقة، ما أثار قلقًا واسعًا بشأن مصير أحد أبرز الشواهد المعمارية على الحقبة القاجارية، حين كان القصر مقرًا للأسرة الحاكمة. وتمتاز أروقته وباحاته بزخارف نباتية وبلاط ملوّن ومحاريب مزدانة برسوم الطيور وتماثيل الأمراء، في لوحة فنية تختزل جانبًا مهمًا من تاريخ البلاد وهويتها الثقافية.
إن الحفاظ على التراث الإنساني ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية ومعرفية. فالآثار التاريخية العريقة مفاتيح لفهم تاريخ الأمم ومنجزاتها في العلوم والصناعة والعمارة والفنون. وهي جسر يربط بين الماضي والحاضر، ويمنح الأجيال الجديدة شعورًا بالانتماء إلى حضارة إنسانية عريقة ما تزال شواهدها ماثلة للعيان. كما يرسّخ الثقة لدى الشباب في القدرة على البناء والإبداع، استلهامًا من تجارب الأسلاف الذين شيّدوا حضاراتهم في ظروف لا تقل تعقيدًا عن تحديات الحاضر.
ويقدّم التاريخ الإسلامي مثالًا لافتًا في هذا السياق؛ فعندما دخل المسلمون مصر، حافظوا على آثارها القديمة ولم يتعرضوا لها بسوء، فبقيت الأهرامات والمعابد المصرية القديمة شاهدة على حضارة سبقتهم بقرون. وكذلك في بلاد الشام والعراق وفارس، حيث حُفظت معالم تاريخية عديدة، واستُثمرت المعارف المتراكمة في تطوير العلوم والهندسة والعمارة.
إن صون التراث مسؤولية جماعية تتجاوز الحدود السياسية والخلافات الآنية. فحين يُدمَّر معلم تاريخي، لا تخسر مدينة أو دولة وحدها، بل تخسر الإنسانية صفحة من ذاكرتها. ومن هنا، يصبح الدفاع عن الآثار دفاعًا عن الهوية، وعن الوعي، وعن حق الأجيال القادمة في أن ترى تاريخها القديم ماثلًا أمامها، لا أن تقرأه في كتبٍ عن أطلال قد اندثرت. حفظ الله بلادنا من كل سوء.