رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شريان هرمز تحت المجهر:"فيتش" تحذر من موجة تضخم تضرب الاقتصاد العالمي

ناقلات النفط  - أرشيفية
ناقلات النفط - أرشيفية

أطلقت وكالة Fitch Ratings للتصنيف الائتماني صافرة إنذار حيال استقرار أسواق الطاقة العالمية، محذرة من أن شبه توقف الملاحة في مضيق هرمز قد يفرض عملية إعادة تسعير شاملة وجبرية للنفط والغاز، مؤكدة أن هذا السيناريو لن يكتفي برفع أسعار الوقود فحسب، بل سيمتد ليطال هيكل تكاليف الشحن والتأمين البحري، مما يضع الاقتصاد العالمي أمام موجة جديدة من الضغوط التضخمية غير المسبوقة.

ورجحت الوكالة أن تكون الأسواق الآسيوية هي الأكثر عرضة للأضرار الجسيمة نتيجة اعتمادها الهيكلي على إمدادات الخليج، مشيرة إلى أن اللجوء إلى مسارات بديلة مثل طريق رأس الرجاء الصالح يضيف ما يصل إلى أسبوعين على زمن الرحلات البحرية.

ولا يمثل هذا التأخير الزمني عقبة لوجستية فحسب، بل يشكل ضغطًا حادًا على سلاسل التوريد العالمية التي لم تتعافَ كليًا بعد من اضطرابات الأعوام الأخيرة.

 مضيق هرمز
 مضيق هرمز

وخلص التقرير إلى أن استمرار التوترات في هذا الشريان الملاحي الحيوي قد يجبر القوى الاقتصادية الكبرى على مراجعة سياساتها النقدية، مع تفاقم تكاليف المدخلات الصناعية والسلع الاستهلاكية.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت صعب لأسواق الغاز المسال تحديدًا، حيث يظل مضيق هرمز المنفذ الوحيد لصادرات حيوية تؤمن احتياجات التدفئة والصناعة في مناطق واسعة من العالم.

 هندسة أسعار الطاقة عالميًا

يُنظَر إلى تحذير "فيتش" كنقطة تحول في تقدير تكلفة الطاقة، حيث لم يعد سعر البرميل محكومًا بمعادلة العرض والطلب التقليدية فقط، بل بات خاضعًا لما يُعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية، وهي تعكس التكاليف غير المرئية التي تُضاف فورًا إلى العقود الآجلة للنفط والغاز بمجرد ظهور بوادر اضطراب في مضيق هرمز، مما يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية تتجاوز القدرات التوقعية للمحللين.

ويمتد تأثير هذا التحول ليشمل قطاع الغاز المسال، الذي يواجه تهديدًا وجوديًا نظرًا لكون المضيق الممر الوحيد لتدفقات حيوية من منطقة الخليج نحو الأسواق العالمية. وبحسب التقارير، فإن أي ارتباك في هذا المسار سيؤدي إلى قفزات سعرية حادة في أسواق أوروبا وآسيا، مما يضع أمن التدفئة والصناعات الثقيلة في مواجهة مباشرة مع أزمة إمدادات قد يطول أمدها وتستنزف الاحتياطيات الاستراتيجية للدول المستوردة.

ولا تتوقف الضغوط عند أسعار الخام والغاز، بل تمتد لتشمل تكاليف التأمين البحري ورسوم الحماية التي تفرضها شركات الملاحة العالمية. ويخلق هذا الارتفاع المركب في التكاليف بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين، حيث تضطر الشركات الصناعية الكبرى إلى إعادة تسعير منتجاتها النهائية لتعويض فوارق تكلفة الطاقة والشحن، وهو ما يمهد الطريق لموجة تضخم عالمية عابرة للحدود والقطاعات.

طريق رأس رجاء الصالح 
طريق رأس رجاء الصالح 

الانكشاف الآسيوي 

تضع الأزمة الراهنة القوى الاقتصادية الكبرى في آسيا، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان، في مواجهة مباشرة مع تبعات تعطل الملاحة في مضيق هرمز. وباعتبار هذه الدول المستورد الأكبر لنفط الخليج، فإن أي نقص في التدفقات يهدد بتعطيل سلاسل الإنتاج في العالم، مما يضعف معدلات النمو الاقتصادي الآسيوي ويقلص من تنافسية الصادرات التقنية والاستهلاكية التي تغذي الأسواق الدولية.

ويتجاوز الضرر في آسيا نقص الوقود ليشمل ارتفاع تكلفة المدخلات الصناعية والكهرباء، ما يؤدي إلى ظاهرة التضخم المستورد؛ فعندما ترتفع تكلفة الإنتاج في الموانئ الصينية والكورية، فإن الأثر ينتقل فورًا إلى المستهلك في أوروبا وأمريكا عبر زيادة أسعار السلع المشحونة، مما يجعل من أزمة مضيق هرمز قضية تضخم عالمية تنطلق شرارتها من الموانئ الآسيوية المحاصرة بارتفاع التكاليف.

وفي ظل هذا المشهد، تضطر البنوك المركزية الآسيوية إلى مراجعة سياساتها النقدية بحذر شديد، للموازنة بين كبح التضخم الناجم عن أسعار الطاقة ودعم النمو الاقتصادي المهدد بالتباطؤ.

هذا الضغط الهيكلي قد يدفع بعض الدول إلى البحث عن تحالفات طاقة جديدة أو تسريع مشاريع الربط البري، إلا أن هذه البدائل تظل بعيدة المدى ولا تقدم حلولًا فورية لمعضلة الاعتماد الكلي على شريان مضيق هرمز.

معضلة رأس الرجاء الصالح

أصبح خيار الالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح واقعًا مرًا يفرضه الاضطراب الملاحي، حيث يضيف هذا المسار ما بين 10 إلى 14 يومًا إضافيًا إلى زمن الرحلة البحرية الواحدة. ولا يقتصر تأثير هذا التأخير الزمني على تأخر وصول السلع، بل يؤدي فعليًا إلى خفض القدرة الاستيعابية للأساطيل البحرية العالمية بنسبة كبيرة، نتيجة بقاء السفن والحاويات في البحر لفترات أطول بعيدًا عن الموانئ.

وترتب على هذا التحول اللوجستي القسري زيادة هائلة في استهلاك الوقود والانبعاثات الكربونية للسفن، مما يرفع من فاتورة الشحن البحري إلى مستويات غير مسبوقة. وتجد شركات الشحن نفسها أمام معضلة نقص الحاويات المتاحة، حيث تتعطل دورة الإمداد الطبيعية، مما يخلق أزمة جديدة في الموانئ العالمية تذكر بالأزمات التي واجهتها سلاسل التوريد إبان جائحة كورونا.

مضق هرمز
مضق هرمز

ختامًا:

قد لا تكون إعادة التسعير التي تتوقعها الوكالة أزمة عابرة، بل هي دعوة لإعادة النظر في هيكل أمن الطاقة العالمي. فبينما تدفع آسيا الضريبة الكبرى للانكشاف الجغرافي، يجد العالم نفسه مرغماً على تسريع البحث عن بدائل طاقة ومسارات ربط أكثر أمانًا، في سباق مع الزمن لتفادي انفجار فقاعة التكاليف التي تهدد بخنق النمو الاقتصادي في مرحلة ما بعد الأزمات العالمية المتلاحقة.

يمثل هذا الاستنزاف اللوجستي ضغطًا إضافيًا على نظام التوريد «في الوقت المحدد» الذي تعتمده كبرى الشركات العالمية. ومع استمرار الاعتماد على المسارات الطويلة والبديلة، يُتوقع أن تشهد الأسواق نقصًا في بعض السلع الأساسية وارتفاعًا في أسعار الشحن الجوي كبديل اضطراري سريع، مما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي ويضع كفاءة النظام اللوجستي الدولي تحت اختبار حقيقي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء