كيف أصبح ابن المنيا "عميد الأدب العربي"؟.. حكاية لقبٍ صنعه طلابه
لم يكن لقب “عميد الأدب العربي” مجرد لقب أكاديمي عابر، بل كان تتويجًا لمسيرة فكرية ونضال ثقافي قاده أحد أبناء صعيد مصر، الدكتور طه حسين، ابن محافظة المنيا، الذي تحول اسمه إلى رمز للحرية الفكرية والدفاع عن استقلال الجامعة في مصر.
حكاية لقبٍ صنعه طلابه
في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، كانت مصر تمر بمرحلة سياسية مضطربة، فقد أصدر الملك فؤاد الأول قرارًا بإقالة حكومة إسماعيل صدقي وتعطيل الحياة النيابية، ما أحدث توترًا سياسيًا كبيرًا في البلاد.
وفي خضم تلك الأحداث، أسس صدقي حزبًا سياسيًا جديدًا باسم “حزب الشعب” لمواجهة نفوذ حزب الوفد، الذي كان يتمتع بشعبية واسعة.
كان الحزب الجديد بحاجة إلى أصوات فكرية مؤثرة تمنحه المصداقية، لذلك اتجهت الأنظار إلى طه حسين، الذي كان آنذاك يشغل منصب عميد كلية الآداب وأحد أبرز المثقفين في مصر والعالم العربي ، عرض عليه أن يتولى رئاسة تحرير جريدة الحزب “الشعب”، وأن يكتب افتتاحية العدد الأول.
لكن رد طه حسين جاء مفاجئًا وحاسمًا.
فقد رفض العرض رفضًا قاطعًا، مؤكدًا أن انخراطه في صحيفة حزبية قد يضر الجميع ولن يخدم الحقيقة. كان موقفه تعبيرًا واضحًا عن تمسكه باستقلال الفكر ورفضه توظيف الثقافة لخدمة السياسة.
لم يرق هذا الموقف للحكومة آنذاك، فأصدر وزير المعارف حلمي عيسى باشا في 3 مارس 1932 قرارًا بنقله من عمادة كلية الآداب إلى وظيفة مراقب للتعليم الابتدائي، في خطوة اعتبرها كثيرون عقابًا سياسيًا. غير أن طه حسين رفض تنفيذ القرار، وقرر الطعن عليه قضائيًا.
ومع انتشار الخبر، اشتعلت أروقة الجامعات المصرية بالغضب.
خرج طلاب كلية الآداب في احتجاجات واسعة، وانضم إليهم طلاب من كليات الطب والعلوم، دفاعًا عن أستاذهم الذي اعتبروه رمزًا للعلم والحرية. لم تكن تلك مجرد مظاهرات طلابية، بل كانت لحظة فارقة في تاريخ الجامعة المصرية.
وفي خضم تلك الاحتجاجات، بدأ الطلاب والأساتذة يطلقون على طه حسين لقب “عميد الأدب العربي”، تقديرًا لمكانته العلمية ودوره الكبير في تجديد الفكر العربي.
وسرعان ما انتشر اللقب بين المثقفين والكتاب، حتى أصبح علامة فارقة في تاريخه.
ومع سقوط حكومة صدقي لاحقًا، عاد طه حسين إلى منصبه عميدًا منتخبًا لكلية الآداب، في مشهد احتفالي حمله فيه طلابه على الأعناق، وكأنهم يعلنون انتصار الفكر على السلطة. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد طه حسين مجرد أستاذ جامعي أو كاتب كبير، بل أصبح رسميًا في وجدان الثقافة العربية “عميد الأدب العربي”، وهو اللقب الذي بقي ملازمًا لاسمه حتى اليوم.