رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مفتي الجمهورية يوضح مفهوم فقه المبادرة في الإسلام|فيديو

الدكتور نظير عياد
الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية

قال الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية، إن فقه المبادرة في الإسلام يمثل أحد المعاني العميقة في حياة المؤمن، حيث يجسد الاستجابة السريعة لنداء الله دون تردد أو تأجيل، فالمؤمن الصادق، حين يسمع أمر ربه، لا يتعامل معه بمنطق التأجيل أو التسويف، بل يردد بقلب حاضر ولسان صادق: سمعنا وأطعنا، موضحًا أن أهل الإيمان الحقيقيين لا ينتمون إلى مدرسة سأفعل لاحقًا، وإنما ينتمون إلى مدرسة لبيك وسعديك، حيث تتحول النية الصادقة إلى فعل مباشر، والطاعة إلى سلوك عملي في حياة المسلم، مشيرًا إلى أن حديثه يتناول في هذه الدقائق مفهوم فقه المسارعة، وهو الانتقال الحقيقي من مرحلة التسويف والتأجيل إلى مرحلة المبادرة الفورية التي تعبر عن صدق الإيمان وقوة الصلة بالله.

الفرق بين المجيء والعجلة

وأضاف عياد، خلال تقديمه برنامج مع “فضيلة المفتي”، أن هذا المعنى يتجلى بوضوح في قول الله تعالى في سورة طه على لسان سيدنا موسى عليه السلام: وعجلت إليك ربي لترضى، حيث لم يقل موسى جئت إليك، وإنما قال عجلت إليك، مبينًا أن الفرق بين المجيء والعجلة فرق كبير في المعنى والدلالة؛ فالمجيء قد يكون مجرد حركة جسدية، بينما العجلة تعبر عن حركة قلب قبل أن تكون حركة قدم، أي أن القلب يسبق الجسد في الشوق إلى طاعة الله، وهذه العجلة تعبّر عن شوق المؤمن إلى رضا الله، وعن رغبة صادقة في المبادرة إلى الطاعة دون انتظار أو تردد.

وحذر مفتي الجمهورية، من خطورة التسويف في الطاعات، مؤكدًا أن كلمة “سأفعل” كثيرًا ما كانت سببًا في ضياع فرص عظيمة من الخير والعمل الصالح، موضحًا أن كثيرًا من الناس يقولون: سأصلي في أول الوقت، لكن الوقت يمضي دون أن يفعل، أو يقول: سأتوب لاحقًا، فإذا بالقلب يقسو مع مرور الزمن، أو يقول: سأتصدق يومًا ما، فإذا بالفرصة تضيع.

وأشار إلى أن القرآن الكريم حذر من هذا المسلك حين قال الله تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، فالأمر بالمسارعة هنا دليل واضح على أن التأجيل قد يكون منزلقًا خطيرًا يضيع على الإنسان فرص الطاعة، كما استشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم”، حيث لم يقل النبي “اعملوا”، بل قال “بادروا”، لأن الفرص إن لم تُغتنم ضاعت، والنفوس إن لم تُلزم فترت.

المسارعة إلى الخير علامة صدق الإيمان

ولفت مفتي الجمهورية، إلى أن المسارعة إلى الطاعات تعد علامة واضحة على صدق الإيمان، وهو ما يظهر في وصف الله لعباده الصالحين في قوله تعالى: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات، موضحًا أن القرآن لم يقل إنهم كانوا يعملون الخيرات فقط، بل أكد أنهم كانوا يسارعون إليها، لأن المحب الصادق إذا دُعي إلى محبوبه أسرع دون تردد، بينما المتردد وحده هو الذي يؤجل ويؤخر.

وأضاف أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا النموذج الأسمى في هذا المعنى، فحين يسمعون آية فيها أمر أو نهي كانوا يقولون فورًا: “سمعنا وأطعنا”، ولم يكن في قاموسهم كلمة “سوف”، بل كانت الكلمة الحاضرة دائمًا هي “الآن”.

كيف ينتقل الإنسان إلى مقام المسارعة؟

ولفت إلى أن الانتقال من مرحلة التسويف إلى مقام المسارعة يحتاج إلى مجموعة من الخطوات العملية التي تعين الإنسان على ذلك، حيث أن أول هذه الخطوات هو تعظيم الله في القلب، فكلما ازداد تعظيم العبد لربه صغرت الدنيا في عينيه، وسارع إلى مرضاته، ولذلك قال موسى عليه السلام: لترضى، لأن غاية المسارعة ليست مجرد الحركة، بل نيل رضا الله.

أما الخطوة الثانية فهي استحضار قصر الأمل في الدنيا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل”، والغريب لا يؤجل، وعابر السبيل لا يركن، لأنه يعلم أن الطريق قصير، مشيرًا إلى أن الخطوة الثالثة تتمثل في مجاهدة النفس عند أول الخاطر، فعندما تخطر الطاعة في القلب ينبغي المبادرة إليها فورًا، لأن الشيطان غالبًا لا يعارض الفكرة مباشرة، بل يؤجلها ويقول للإنسان: ليس الآن، افعلها لاحقًا، وغدًا أفضل من اليوم.

تعويد النفس على العمل الفوري

وتابع مفتي الجمهورية، أن من أهم وسائل تربية النفس على المسارعة تعويدها على العمل الفوري دون تردد، فإذا سمع الإنسان الأذان فعليه أن يقوم إلى الصلاة مباشرة، وإذا خطرت له صدقة فليخرجها فورًا، وإذا تذكر ذنبًا فليبادر بالاستغفار، لأن النفوس تُروض بالأفعال لا بالأماني.

وأكد أن الفرق بين “سأفعل” و”عجلت” هو الفرق بين من يعيش في مستقبل وهمي يؤجل فيه الأعمال، وبين من يعيش اللحظة الإيمانية فيحول النية إلى عمل، والفكرة إلى خطوة، والعزم إلى واقع.

فقه المسارعة طريق الصادقين

وفي ختام حديثه، أكد الدكتور نظير عياد، على أن فقه المسارعة لا يعني الاندفاع بلا بصيرة أو التهور بلا حكمة، وإنما يعني السرعة في طاعة الله مع الثبات على المنهج والإخلاص في القصد، موضحًا أن هذا الفقه يمثل انتقالًا حقيقيًا من التمني إلى العمل، ومن التأجيل إلى الإنجاز، ومن انتظار الفرص إلى صنعها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء