نفوق الدواجن في مصر.. بين تحذيرات الخبراء وطمأنة الحكومة وصراخ المربين
تصاعدت حالة الجدل في قطاع الدواجن خلال الأيام الأخيرة بعد تداول مقاطع فيديو وصور توثق نفوق أعداد كبيرة من الطيور داخل بعض المزارع، وهو ما أثار مخاوف واسعة بين المربين، خاصة مع تضارب الروايات بين شهادات الميدان التي تتحدث عن خسائر كبيرة، والبيانات الرسمية التي تؤكد استقرار الوضع الصحي للثروة الداجنة وعدم وجود مؤشرات وبائية غير اعتيادية.
وفي الوقت الذي يحذر فيه خبراء من احتمالية تأثير الفيروسات الموسمية وهجرة الطيور البرية على انتشار الأمراض، تؤكد وزارة الزراعة استمرار حملات التقصي والفحص والتحصين، بينما يطالب المربون بتدخل عاجل لحماية استثماراتهم ومصادر رزقهم.
تحذيرات علمية: سلالات فيروسية وانتشار موسمي
قال الدكتور أحمد حمودة، أستاذ أمراض الدواجن بكلية الطب البيطري جامعة القاهرة، في تصريح خاص لـ "إيجبتك"، إن قطاع الدواجن يواجه تحديات حقيقية نتيجة انتشار سلالات من فيروسات الإنفلونزا والنيوكاسل، موضحًا أن هذه المشكلة ليست محلية فقط، بل تشهدها دول عديدة مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبعض دول آسيا.
وأشار إلى أن التقارير الدولية الصادرة عن منظومات الصحة العالمية تؤكد وجود نشاط لهذه الأمراض، ما يستدعي التعامل معها بجدية من خلال الاعتماد على المتخصصين والخبراء في تشخيص الوضع.
الطيور المهاجرة.. عامل خفي في نقل العدوى
أوضح حمودة في تصريحه لـ “إيجبتك” أن أحد أهم العوامل التي قد تساهم في انتشار الأمراض هو حركة الطيور المهاجرة، مشيرًا إلى أن نمط ظهور بعض المشكلات الصحية في المزارع يتكرر سنويًا مع بداية الربيع ونهاية الخريف.
وأوضح أن كثيرًا من الطيور البرية تكون حاملة للفيروسات دون أن تظهر عليها أعراض، لكنها تفرزها عبر فضلاتها أثناء تحركها، وهو ما قد يؤدي إلى انتقالها إلى المزارع، خاصة إذا كانت هناك أشجار أو أماكن تستريح فيها الطيور داخل نطاق المزرعة.
وأضاف أن انتقال العدوى قد يحدث بشكل غير مباشر عبر حركة العمال داخل المزارع، حيث قد تنتقل الملوثات من الممرات إلى العنابر رغم إجراءات التعقيم.
الأمان الحيوي.. خط الدفاع الأول
أكد حمودة في تصريحه لـ “إيجبتك” أن تطبيق قواعد الأمان الحيوي يمثل العامل الأهم في منع انتقال العدوى داخل المزارع، موضحًا أن القاعدة الأساسية هي الفصل الكامل بين البيئة الخارجية والداخلية للمزرعة.
وأشار إلى أن العديد من الأمراض الفيروسية مثل الإنفلونزا والنيوكاسل وبعض أنواع التهاب الشعب الهوائية المعدي تدخل إلى جسم الطائر عبر الأغشية المخاطية المعرضة، وأن شدة الإصابة تعتمد بدرجة كبيرة على كمية الفيروسات التي يتعرض لها الطائر.
خلاف حول نسب النفوق
ورغم تأكيد وزارة الزراعة استقرار الوضع الصحي للقطاع، يرى حمودة أن بعض المؤشرات في السوق قد تعكس وجود مشكلات، مشيرًا إلى أن الوزن النهائي للدواجن في الأسواق قد يكون أقل من المعدلات الطبيعية في بعض الأحيان.
وأضاف أن المعدل المثالي لنفوق الدواجن في المزارع النظامية لا يتجاوز 5%، بينما تشير بعض الحالات الميدانية إلى نسب أعلى بكثير.
كما أشار إلى أن فعالية اللقاحات قد تتأثر في بعض الأحيان بعدم التطابق الكامل بين العترات المنتشرة والعترات المستخدمة في اللقاحات، مؤكدًا أن التماثل الجيني يجب أن يتجاوز 90% لضمان فعالية التحصين.
فجوات في برامج التحصين
وأوضح حمودة أن وجود نقص في بعض أنواع لقاحات الأمهات أو عدم تطبيق برامج التحصين بالشكل الصحيح قد يساهم في زيادة احتمالات الإصابة بالأمراض.
وأشار إلى أن تكلفة التحصينات لا تمثل عبئًا كبيرًا مقارنة بحجم الإنتاج، مؤكدًا أن المربي غالبًا لا يتعمد إهمال التحصين لأنه يمثل خط الدفاع الأساسي لحماية استثماره.
إجراءات حكومية للرقابة والفحص
في المقابل، أكدت وزارة الزراعة استمرار جهودها في متابعة الوضع الصحي للقطاع من خلال حملات تقصي وفحص واسعة.
وقال محمود الأعرج، المنسق الإعلامي بوزارة الزراعة، في تصريح خاص لـ "إيجبتك"، إن الوزارة شكلت لجانًا مركزية وفرعية بالتعاون مع المعمل المرجعي للرقابة على الإنتاج الداجني والمعامل التابعة لمعهد بحوث الصحة الحيوانية لفحص المزارع في مختلف المحافظات.
وأوضح أنه منذ بداية يناير وحتى الآن تم سحب 8086 عينة من الطيور قبل البيع، شملت الدجاج والبط والرومي والسمان والنعام، مؤكداً أن الفحوصات لم تكشف عن أي عترات أو فيروسات جديدة.
كما أشار إلى أن نسب النفوق المسجلة تقع ضمن الحدود الطبيعية لهذا الوقت من العام، وقد ترتبط بعوامل الرعاية أو ضعف تطبيق بعض إجراءات التحصين أو التغيرات المناخية.

حملات تحصين ومتابعة للمزارع
وأضاف الأعرج في تصريحه لـ “إيجبتك” أن الوزارة قامت منذ بداية العام بتحصين أكثر من 874 ألف طائر في مختلف المحافظات، إلى جانب المرور على 2716 مزرعة لمتابعة تطبيق إجراءات الأمان الحيوي.
وأكد أن المعدل الطبيعي لنفوق الدواجن في المزارع النظامية لا يتجاوز 5%، مشددًا على عدم رصد نسب تتجاوز هذا المعدل بشكل عام على مستوى الجمهورية.
دعم للمربين وفحص مجاني للحالات
وأشار الأعرج إلى أن الهيئة العامة للخدمات البيطرية توفر خدمة الفحص المجاني للمزارع في حال الإبلاغ عن نفوق غير طبيعي، حيث يتم إرسال لجان متخصصة لسحب العينات وإجراء الفحوصات اللازمة دون تحميل المربين أي تكلفة.
كما يتم إعداد تقارير فنية تتضمن توصيات تساعد المربين على تحسين الإجراءات الصحية والإنتاجية داخل المزارع.
وأوضح أن الوزارة خصصت الخط الساخن 19561 لتلقي البلاغات على مدار الساعة والتعامل الفوري مع الحالات.
صرخة المربين: خسائر تتزايد
في المقابل، يعبر عدد من مربي الدواجن عن مخاوفهم من ارتفاع معدلات النفوق داخل بعض المزارع، مؤكدين أن الخسائر التي يتعرضون لها تهدد استمرارهم في هذا النشاط.
وقال السيد الحسانين، أحد المربين، إن مزرعته شهدت نفوق أعداد كبيرة من الطيور خلال فترة قصيرة، مشيرًا إلى أن بعض المزارعين يتكبدون خسائر يومية كبيرة نتيجة هذه الحالات.
كما نشر عدد من المربين مقاطع فيديو من داخل مزارعهم تظهر نفوق الطيور، مطالبين الجهات المختصة بالتدخل السريع لفحص المزارع وتحديد أسباب المشكلة.
مطالب بتدخل عاجل
ويطالب المربون بزيادة لجان التقصي الميداني داخل المزارع المتضررة، وإجراء فحوصات عاجلة لتحديد أسباب النفوق، إضافة إلى تقديم دعم فني وبيطري سريع للمربين.
كما يدعو بعض العاملين في القطاع إلى مراجعة منظومة اللقاحات وتشديد الرقابة على مدخلات الإنتاج، إلى جانب وضع آلية أكثر وضوحًا لتنظيم أسعار الدواجن بما يضمن التوازن بين المنتج والمستهلك.
بين الروايات المتباينة
وبين تأكيدات الحكومة باستقرار الوضع الصحي للقطاع، وتحذيرات بعض الخبراء وشكاوى المربين من الخسائر، يبقى قطاع الدواجن في مصر أمام تحدٍ يتطلب مزيدًا من الشفافية والتواصل بين الجهات المعنية والمربين.
فالتقصي الميداني السريع والتشخيص الدقيق للأسباب المحتملة لأي حالات نفوق قد يكونان العامل الحاسم في احتواء أي أزمة محتملة، وضمان استمرار أحد أهم القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي في البلاد.

