لا تخطئ العين وجود المؤامرة الغربية على بلادنا. لم يكن ذلك وليد اليوم، فأوروبا القارة والتي انضمت إليها أمريكا فصارت كتلة "الغرب"، لم تتوقف يوما عن استهداف هذه المنطقة الغنية بثرواتها وممراتها البحرية التي تتحكم في التجارة العالمية. غزت بلاد فارس بلادنا القديمة، وبعدها غزتها اليونان إبان غزوات الإسكندر الأكبر، وبعده روما. وفي العصور الوسطى كان الكر والفر بيننا وبين الدولة البيزنطية، ثم الحروب الصليبية التي استمرت لقرون طويلة انتهت برحيلهم لفترة قرون أخرى.
في بدايات العصر الحديث عادت التدخلات الغربية المنظمة في المنطقة إلى نهاية القرن الثامن عشر، عندما وصلت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلى مصر عام 1798. لم تكن تلك الحملة مجرد غزو عسكري عابر، كانت إعلانا عن دخول المنطقة في معادلة التنافس الاستعماري الأوروبي. منذ تلك اللحظة بدأ ميزان القوة في المنطقة يتغير، خاصة مع تراجع الدولة العثمانية وصعود القوى الأوروبية.
لم يكن العالم عرف بعد مسمى الشرق الأوسط، كانت تسمى المنطقة العربية، لكن مع توسع الاستعمار في غزواته وظهور محللين استراتيجيين ومخططين للفكر الاستعماري، اتجه هؤلاء إلى نزع صفة "العربية" عن المنطقة وأضافوا لجغرافيتها دولا أخرى وأطلقوا عليها "الشرق الأوسط".
في مطلع القرن العشرين، ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، أعيد رسم خريطة الشرق الأوسط. أصبحت اتفاقية سايكس – بيكو لعام 1916 رمزا تاريخيا لتقسيم النفوذ بين القوى الكبرى، إذ قسمت مناطق واسعة من المشرق العربي إلى مناطق سيطرة بريطانية وفرنسية. تلك الاتفاقية رسخت في الوعي السياسي العربي أن الحدود التي نتجت عنها لم تكن نتاج تطور تاريخي طبيعي بقدر ما كانت انعكاسا لموازين القوة الدولية.
خلال الحرب الباردة لم تعد المنافسة بين القوى الاستعمارية القديمة فقط، بل بين المعسكرين الشرقي والغربي. في تلك المرحلة ظهرت رؤى واستراتيجيات صاغها مفكرون وسياسيون غربيون حول كيفية التعامل مع الشرق الأوسط، ومن بينهم هنري كيسنجر وزبيغنيو بريجنسكي وغيرهما من صناع القرار الاستراتيجي في الولايات المتحدة. ركزت هذه الرؤى غالبًا على الحفاظ على توازن القوى في المنطقة، وضمان تدفق الطاقة، وتأمين الممرات البحرية الحيوية مثل قناة السويس والخليج العربي ومضيق هرمز.
في السياق أيضا، أثارت أطروحات بعض الباحثين الغربيين جدلًا واسعًا في العالم العربي، مثل برنارد لويس، الذي كتب عن تاريخ المنطقة وهويتها السياسية والثقافية. وقد رأى المثقفون العرب أن تحليلاته أو تأويلاتها السياسية تحول المنطقة إلى فسيفساء من الهويات المتعددة، ما جعل البعض يربط بين هذه الأفكار وبين مشاريع تقسيم أو إعادة تشكيل المنطقة.
لكن الواقع التاريخي أكثر تعقيدا من سردية واحدة. فالشرق الأوسط لم يكن مجرد ضحية لخطط خارجية، بل كان أيضا ساحة لتفاعلات داخلية عميقة، صراعات سياسية، وتنافسات إقليمية، وتحولات اجتماعية واقتصادية كبيرة. القوى المحلية، الدول الإقليمية، والحركات السياسية المختلفة لعبت دورا كبيرا في تشكيل مسار الأحداث بالتوازي مع التدخلات الدولية.
في العقود الأخيرة، ومع الحروب التي شنتها أمريكا وحلفاؤها والصراعات المتعددة التي أججتها في المنطقة، عاد الحديث بقوة عن “تفتيت الشرق الأوسط”. يرى بعض المحللين أن استمرار النزاعات وتآكل الدول المركزية في بعض البلدان يخلق واقعا جيوسياسيا جديدا يعيد تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة. ويربط آخرون ذلك بالمنافسة الدولية على الطاقة والممرات البحرية، وبالصراع على النفوذ بين القوى الإقليمية الكبرى، وبالخلل الحادث في النظام العالمي والتنافس على القطبية في المرحلة القادمة.
لكن، بجانب الحروب وتأجيج الصراعات والغزو والاحتلال والأساليب السرية الأخرى، والتسلط عن طريق الاتفاقيات والقروض للسيطرة على دول المنطقة، فإن اتكال هذه الدول على المعونة الخارجية كبيرة الحجم زاد من الأثر السلبي الذي سعت إليه حكومات الغرب ضد دول المنطقة، وقد زاد من فاعلية ما يقومون به حكام هذه الدول الخائفون الذين يتحملون بلا أدنى شك ما آلت إليه المنطقة. ورغم ذلك يبدي بعض المحللين نسبة أمل في المستقبل، لأن تاريخ الشرق الأوسط يثبت قدرة المنطقة على إعادة إنتاج توازناتها. فعلى الرغم من الحروب والتحولات، بقيت بعض المجتمعات والدول تسعى إلى الحفاظ على هويتها واستقرارها، وتبحث عن طرق للتكيف مع المتغيرات الدولية.
لكن الشرق الأوسط اليوم يقف مرة أخرى عند مفترق طرق تاريخي. فالحروب الجارية ليست مجرد أحداث عسكرية أو سياسية عابرة، بل جزء من سياق طويل من التنافس على الجغرافيا والموارد والنفوذ. ورغم تصارع القوى الكبرى على رسم خرائط جديدة وملامح أخرى للمستقبل، يرتبط الأمر بقدرة شعوب المنطقة نفسها على صياغة مشروعها السياسي والحضاري بعيدا عن دوامات الصراع المستمر. الحقيقة الأكثر ثباتًا في تاريخ هذه المنطقة أن الجغرافيا لا تتغير، وأن من يسيطر على طرق التجارة والطاقة والممرات البحرية سيظل حاضرًا في معادلات القوة العالمية. لذلك سيبقى الشرق الأوسط، بكل تعقيداته وتاريخه، محورا أساسيا في السياسة الدولية، ومسرحا تتقاطع فيه المصالح والأحلام والمخاوف.
المنطقة كانت بالأمس في صورة نعرفها جميعا، واليوم نعيش صورتها الحالية البائسة، أما غدا فسيكون هناك صور وأشكال أخرى للمنطقة المسماة الشرق الأوسط، صور رسمها آخرون في مكاتبهم، وينفذونها بأسلحتهم.
لكن، ليست الخرائط وحدها التي تصنع التاريخ، بل إرادة الشعوب التي تعيش فوقها.
- # المنطقة العربية
- # المتحدة
- # الشرق الأوسط
- # منافس
- # مصر
- # الحرب الباردة
- # الحرب العالمية
- # مطلع القرن العشرين
- # الصراعات
- # الحملة الفرنسية
- # نابليون بونابرت
- # الدولة العثمانية
- # العصر الحديث
- # فاو
- # التجارة العالمية
- # دول المنطقة
- # العصور الوسطى
- # مقال رأي
- # الحروب الصليبية
- # القوى الكبرى
- # منطقة العرب