كثيراً ما طالبت بضرورة فصل الطاقة المتجددة عن وزارة الكهرباء تحقيقاً للكفاءة، وتفادياً لتعارض واضح في المصالح وتنافر الكفاءات..وفي وقت تتسارع فيه التحولات العالمية في قطاع الطاقة، تلقيت من الأستاذ الدكتور حافظ سلماوي – أحد أبرز خبراء سياسات الكهرباء والطاقة في مصر، والرئيس السابق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك – مسودة مقترح لتعديل الإطار التشريعي المنظم للطاقة المتجددة. ويستحق هذا المقترح وقفة تحليلية، ليس فقط لما يتضمنه من مواد قانونية، بل لما يعكسه من محاولة جادة لتطوير فلسفة تنظيم قطاع الطاقة المتجددة في مصر بما يتلاءم مع تطور السوق وتغير نماذج الاستثمار.
فالقانون القائم رقم 203 لسنة 2014 كان في وقت صدوره خطوة مهمة لفتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في مشروعات الطاقة المتجددة. وقد أدخل آنذاك عدداً من الأدوات التنظيمية الجديدة مثل نظام تعريفة التغذية، وإتاحة تخصيص الأراضي للمشروعات، ومنح أولوية لتصريف الكهرباء المنتجة من المصادر المتجددة، فضلاً عن استخدام نظام الحصص وشهادات المنشأ للطاقة النظيفة. إلا أن التطورات التي شهدها القطاع خلال العقد الماضي أظهرت أن الإطار التشريعي الحالي لم يعد كافياً لاستيعاب نماذج الأعمال الجديدة التي ظهرت في السوق.
فبعد صدور قانون الكهرباء رقم 87 لسنة 2015، تغيرت بنية تنظيم قطاع الكهرباء في مصر باتجاه إنشاء سوق كهرباء أكثر تنافسية والسماح بالنفاذ إلى الشبكة من قبل أطراف متعددة. وهو ما خلق واقعاً تنظيمياً جديداً أصبح يتجاوز بعض الأحكام التي وردت في قانون الطاقة المتجددة السابق، الأمر الذي يستدعي إعادة صياغة الإطار القانوني بما يحقق التكامل بين القانونين ويمنح المستثمرين وضوحاً أكبر في القواعد المنظمة للسوق. ومن هنا تنطلق فلسفة مشروع القانون الجديد، الذي يهدف إلى إنشاء إطار قانوني أكثر شمولاً لتنمية سوق الطاقة المتجددة في مصر، مع معالجة التحديات التي ظهرت أثناء تطبيق القانون السابق، وتوفير أدوات تنظيمية تسمح بتوسيع نطاق الاستثمار وتسريع وتيرة المشروعات.
يقوم مشروع القانون المقترح على هيكل تشريعي متكامل يتضمن تسعة أبواب رئيسية، تبدأ بالتعريفات الأساسية وتنتهي بالأحكام الختامية، مروراً بتنظيم خطط الطاقة المتجددة، وإجراءات إنشاء المشروعات، وآليات تخصيص الأراضي، وقواعد الربط بالشبكات الكهربائية، وأنماط التعاقد لشراء الكهرباء، إضافة إلى تنظيم إنتاج الطاقة المتجددة الموزعة ونظام صافي القياس، وكذلك تنظيم إصدار وتداول شهادات منشأ الطاقة المتجددة.
وتكشف هذه البنية التشريعية المقترحة عن تحول مهم في طريقة التفكير في تنظيم هذا القطاع. فبدلاً من الاقتصار على تشجيع الاستثمار في محطات كبيرة مرتبطة بالشبكة، يسعى المشروع إلى خلق منظومة أكثر تنوعاً تسمح بظهور نماذج جديدة للإنتاج والتبادل، بما في ذلك الإنتاج اللامركزي للطاقة، والتعاقد المباشر بين المنتجين والمستهلكين، وإمكانية تداول شهادات تثبت أن الكهرباء المنتجة جاءت من مصادر متجددة.
ومن بين أبرز القضايا التي يعالجها المشروع مسألة الطاقة المتجددة الموزعة، وهي تلك المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن إقامتها على أسطح المباني أو في المناطق الصناعية والتجارية. فالتجربة المصرية في هذا المجال ظلت محدودة نسبياً بسبب التعقيدات التنظيمية والتعديلات المتكررة في قواعد صافي القياس، وهو ما خلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين. لذلك يقترح مشروع القانون إطاراً أكثر وضوحاً لتنظيم هذه المشروعات وتشجيع انتشارها.
كما يتضمن المشروع معالجة لقضية أخرى لا تقل أهمية، وهي آليات التعاقد لشراء الكهرباء المنتجة من المصادر المتجددة.
فالتطور العالمي في هذا المجال اتجه خلال السنوات الأخيرة إلى استخدام آليات تنافسية مثل المزادات وعقود الفروقات، وهي أدوات تسمح بتحديد أسعار الكهرباء من خلال المنافسة في السوق بدلاً من الاعتماد على تعريفة ثابتة. ويهدف إدراج هذه الآليات في القانون إلى تعزيز الكفاءة الاقتصادية وتحقيق أسعار أكثر تنافسية للطاقة المتجددة.
ويتطرق المقترح أيضاً إلى قضية شهادات منشأ الطاقة المتجددة، وهي آلية متعارف عليها عالمياً تتيح إثبات أن الكهرباء المنتجة جاءت من مصادر نظيفة. وجود إطار قانوني واضح لتنظيم إصدار هذه الشهادات وتداولها يمكن أن يفتح الباب أمام سوق جديدة للكهرباء الخضراء، كما قد يساعد الصناعات المصرية على إثبات استخدام الطاقة النظيفة في إنتاجها، وهو أمر يكتسب أهمية متزايدة في ظل التحولات العالمية نحو سلاسل إنتاج منخفضة الكربون.
ولا يقتصر المشروع على الجوانب التنظيمية فحسب، بل يتضمن أيضاً مقترحات لتطوير بيئة الاستثمار في هذا القطاع. فالقانون الحالي لا يوفر حوافز واضحة للمستثمرين أو للمستهلكين الذين يستخدمون الطاقة المتجددة، وهو ما يدفع المشروع إلى اقتراح آلية تسمح للحكومة بتقديم حوافز غير مباشرة، مثل تشجيع المنتجات المصنعة باستخدام الطاقة النظيفة أو منح علامات مميزة لها في الأسواق.
…
في جوهره، يعكس هذا المشروع فهماً أعمق للتحول الجاري في اقتصاد الطاقة. فالقضية لم تعد مجرد زيادة عدد محطات الطاقة المتجددة، بل بناء سوق متكاملة تسمح بتنوع المنتجين والمستهلكين، وتدعم الابتكار في نماذج الأعمال، وتفتح المجال أمام مشاركة أكبر للقطاع الخاص.
والواقع أن مصر تمتلك مقوّمات طبيعية كبيرة في مجال الطاقة المتجددة، من الشمس والرياح، لكن الاستفادة القصوى من هذه الموارد تتطلب موارد مالية في الأساس، كما تتطلّب إطاراً تنظيمياً مرناً وقادراً على استيعاب التحولات السريعة في التكنولوجيا والأسواق.
ومن هنا تأتي أهمية هذه المبادرة التشريعية التي تلقيتها من الدكتور حافظ سلماوي، والتي يمكن النظر إليها باعتبارها محاولة جادة للانتقال من مرحلة إطلاق القطاع إلى مرحلة تعميق السوق وتطوير آلياته.
ويبقى السؤال الأهم: هل يتحول هذا المقترح إلى أساس لنقاش تشريعي أوسع حول مستقبل سوق الطاقة المتجددة في مصر؟ ذلك نقاش يبدو ضرورياً، ليس فقط لمواكبة التحول العالمي في الطاقة، بل لضمان أن يكون هذا التحول رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي والاستثمار في السنوات المقبلة.