حكاية ساعة قبل الفطار.. دكان هـوا
هذه القصة الجديدة من المجموعة القصصية "حكاية ساعة قبل الفطار" للكاتب إبراهيم عبدالمجيد بعنوان "دكان هوا"، تحكي قصة شاب بدأ حياته في محل جزارة، تعلم كل تفاصيل المهنة، وسعى لتحقيق حلمه في تخصيص جزء من المحل كمطعم صغير، وسط تحديات حي شعبي والرقابة المستمرة.
دكان هوا
كان صبيا يعمل في محل جزارة، تعلم فيه كل شيء: الذبح، السلخ، البشكرة، إخراج المعدة والأمعاء وتنظيفهما، الفرم وعمل السجق وكل ما يتعلق بالمهنة. في الحقيقة، كان من أحلامه أن يخصص صاحب المحل جزءًا منه كمطعم، لكن صاحب المحل كان يرفض ويضحك قائلاً: «عشان ييجوا بتوع الحكم المحلي والحي ووزارة التموين ياكلوا بلاش الله الغني».
جاء اليوم الذي صار فيه كبيرًا على العمل عند أحد، لكنه ظل وفيا لمعلمه صاحب المحل الراحل، فلم يشأ أن يتخلى عن بناته الثلاث اللواتي كن بعيدات عن المهنة. تخرجن من الجامعات وتزوجت اثنتان منهن، لكنه لم يتحمل معاملة زوج إحداهن فقرر ترك العمل.
استطاع بما ادخره ومعاونة زوجته التي باعت ذهبها كله أن يؤجر محلًا في شارع كبير بحي شعبي، ويعده لمهنة يعرفها ويتقنها، ويحقق حلمه أيضًا بتخصيص جزء كمطعم للكباب والكفتة.
كان رمضان على الأبواب فتوقع خيرًا كثيرًا. خفض أسعاره عن كل الجزارين وفرش الرصيف بالطرابيزات الجديدة، وما كاد نهار أول يوم في رمضان يمضي حتى باع تقريبًا كل كميات اللحم التي عنده، باستثناء ما أعدوه للشوي من كباب وكفتة وطرب وموزة وريش.
قبل المدفع بساعة، تذكر ما قاله له معلمه الراحل عن رجال الحي أو التموين، فاستعد لهم بالتخفيض فقط في السعر. لكن لا أحد جاءه، سوى أمين شرطة طويل لا تتوقف عيناه عن الحركة، فقال له:
• الباشا متضايق من ريحة الدخان.
اندَهش وقال مبتسمًا:
• هيا بتعدي الشارع؟
• دي مش الريحة بس، الدخان نفسه بيدخل من شبابيك النقطة.
كانت شبابيك نقطة البوليس أمامه مغلقة دائمًا. تشاءم للحظة أنه استأجر محلًا أمام نقطة البوليس، لكنه استسلم للموقع والمنطقة الشعبية، واعتبر أن ذلك قد يكون حماية له.
وقف أمام أمين الشرطة مترددًا وقال:
• مش عارف أقول لك إيه!
قال الأمين:
• ما تقولش حاجة، حيتعود. وبيني وبينك الريحة عاجباه بيقول لك ابعت لنا فطار النهاردة.
ابتسم وقال:
• تحت أمرك للباشا؟
للباشا الكبير والإتنين البهوات الصغيرين.
• يعني ثلاثة؟
بالضبط. عليك نور بس قلل الكفتة وكتر الكباب. ممكن موزة يبقى أحسن، أو أقول لك شكل كباب على موزة على طرب.
قبل المدفع بدقائق، كان أمين الشرطة قد عاد إليه وحمل طعامًا لثلاثة أشخاص. أعطاه الفاتورة فنظر إليها أمين الشرطة وابتسم ثم قال في رضا مصطنع:
• معقول برضه.
تكرر الأمر في اليومين التاليين. وفي اليوم الرابع، وقبل المدفع بساعتين، وجد أمامه عددًا ضخمًا من رجال الرقابة على السلع من وزارة التموين ومن رجال الحي. قال لهم وهو يشير للمحل:
• اتفضلوا، ما عندناش حاجة تخوفنا.
لكن ظهر أمين الشرطة فجأة وتكلم معهم بصوت غير مسموع فانصرفوا جميعًا مبتسمين. قال لأمين الشرطة:
• ليه ما سيبتهمش يشوفوا شغلهم؟ أنا ما عنديش مشكلة.
فقال الأمين:
حضرتك غشيم، هم اللي حيعملوا لك مشكلة. وحلّني على ما تثبت إنك صح. وبعدين حتضطر تدي كل واحد كيلو لحمة على الأقل وكيلو كباب كل يوم. وحيجيبوا بعض مادام عرفوا السكة. يعني حتقفل وتبيع الهوا بعد كده.
نظر إلى أمين الشرطة نظرة طويلة وابتسم، فقال الأمين:
• معلش، الباشا بيقول لك النهاردة عازم ضيوف على الفطار في النقطة. ابعت له فطار لخمسة.
هز هو رأسه وانصرف الأمين.
بعد الإفطار، وبعد تنظيف كل شيء، قال لهم:
معلش يا جماعة، كل واحد منكم يشوف ليه كام عندي، مش لازم تستنوا لآخر الأسبوع.
قال أحدهم ضاحكًا:
• حتقبضنا النهاردة يا معلم، هي البلية لعبت؟
قال:
• لا، خلاص، حاقفل واشوف محل في حتة تانية، مش لازم استني لغاية ما أبيع الهوا.