محمد الجرجاوي: أكتب أسماء الركاب في المترو لأزرع البهجة في قلوبهم | حوار
• الخط العربي ليس مجرد حروف.. بل هندسة روحانية تعانق القلب.
• القلم يجمع بين العين واليد والقلب.. ويحول الكلمات إلى حياة.
• أشعر بالسعادة حين يرى الركاب أسمائهم مكتوبة بخط عربي جميل.
• تعلم الخط العربي صبر ومثابرة لكنه يمنح شعورًا لا يوصف.
داخل عربات مترو القاهرة، حيث الزحام وضوضاء المدينة، يسطع مشهد إنساني يلفت الانتباه.. الدكتور محمد الجرجاوي، أستاذ بكلية التربية الفنية بجامعة العاصمة في الزمالك، لا يركب المترو كراكب عادي.
يحمل بين يديه قلمًا وورقة ليهدي الركاب لحظة فرح بسيطة، بتسجيل أسمائهم بخط عربي بديع، كأن كل حرف ينبض بالحياة.. وبين همسات المحادثات وأصوات العربات المتحركة، يتحول هذا المشهد إلى لوحة فنية مبهجة، تتجسد فيها روحانية الخط العربي وجماله الأصيل.
في حوار خاص لـ"إيجبتك"، تحدث الدكتور محمد الجرجاوي عن رحلته مع الخط العربي، وتحدياته وفرصه، وعن العلاقة العميقة بين الفن والروح، بين الورق والقلب.
كيف كانت بدايتك مع الخط العربي؟ ومتى اكتشفت شغفك به؟
بدأت منذ الإبتدائي والإعدادي، كنت أكتب في كراستي وكراسات بعض الزملاء، اما المرحلة الثانية كانت سنة 1990 عندما دخلت الجيش، ووجدوا خطي جميل بالقلم العادي، فتم نقلي الى قسم العمليات ما دفعني للعمل بأقلام البوص وشراء كتب الخط لتقليدها.
المرحلة الثالثة كانت بعد انتهاء الجيش، حين التحقت بمدرسة تحسين الخطوط العربية في مدينة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد، مسقط رأسي، لمدة ست سنوات: أربع سنوات دبلوم وسنتان تخصص وتذهيب (1996).
بعد ذلك جئت إلى القاهرة وعملت مع الأستاذ مسعد خضير البورسعيدي، نقيب الخطاطين في الجمالية، لمدة عامين، ثم بدأت مساري الخاص مع دراستي الجامعية بكلية التربية الفنية، جامعة حلوان.

كيف تشكلت علاقتك الأولى بالحرف العربي؟ وهل تتذكر أول لوحة كتبتها وشعرت أنها غيرت مسارك؟
بدأت في قريتي بالوادي الجديد، أكتب المجلات ولوحات المدارس، ثم على جدران المنازل، خاصة كتابة الآيات القرآنية.
ما المدرسة أو نوع الخط الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
مدارس الخط العربي الكلاسيكية ثلاثة: العراقية، المصرية، والتركية، وكلها تعتمد على قواعد مشتركة لكن لكل منها خصائص مختلفة.
اما الخطوط الأقرب إلى قلبي هي خمسة خطوط أكاديمية: الثلث، الديواني، الفارسي، النسخ، والرقعة، بالإضافة إلى خطوط أخرى أعشقها مثل جلي الديواني والإجازة والسنبلي والكوفي. كل خط له طابعه وجماله الخاص، وكل واحد يمثل تجربة روحية وفنية مختلفة.
كيف تصف العلاقة بين الخط العربي والروحانية خاصة في كتابة الآيات والنصوص الدينية؟
الخط العربي هو هندسة روحانية بامتياز عندما يكتب الخطاط آية قرآنية، لا يكتفي بالنص فحسب، بل ينقل شعورًا داخليًا وتوازنًا نفسيًا للمتلقي. كل حرف يحمل معنى ووزنًا، وكل تنسيق يمثل انسجامًا بين اليد والقلب والروح.
برأيك.. ما أهمية تعلم الخط العربي في عصر التكنولوجيا والكتابة الرقمية؟
تعلم الخط العربي ضروري لأنه ترجمان اللغة العربية، لغة القرآن الكريم الإمساك بالقلم وإتقان الحروف يعطي شعورًا لا يوصف، التكنولوجيا يمكن أن تكمل العمل بالزخارف أو الخلفيات، لكنها لا تعادل جمال الخط اليدوي وأصالته.
كيف توازن بين القواعد الصارمة للخط والإبداع الشخصي في أعمالك؟
بعد استيعاب القواعد الأساسية لكل نوع من الخطوط الأكاديمية، ومع الخبرة الطويلة والتجريب المستمر، يظهر الإبداع الشخصي ويصبح بصمة الفنان في اللوحة.

ما الأخطاء الشائعة التي يقع فيها المبتدئون عند تعلم الخط العربي؟
أكثر الأخطاء شيوعًا هي الاستعجال وعدم الصبر، وهما عدو الخط العربي الأساسي.
ما أبرز التحديات التي تواجه طلاب الخط العربي في الوقت الحالي؟
أبرز التحديات هي الوقت والصبر والمثابرة، الخطوط العربية تحتاج لساعات طويلة من التدريب اليومي، وهذا شيء يفتقده الكثير من الشباب في زمن السرعة والتكنولوجيا.
هل تعتقد أن الخط العربي فن فطري أم مهارة يمكن لأي شخص إتقانها بالتدريب؟
هو علم وفن في نفس الوقت.. أي شخص يمكن أن يتعلمه بالصبر والمثابرة، لأن له قواعد دقيقة وهندسة محددة، والتدريب هو الطريق لإتقانه.
ما أصعب خط في رأيك من حيث القواعد والانضباط؟ وما أكثرها مرونة وإبداعًا؟
أصعب الخطوط هو الثلث، وله هيبة كبيرة، بينما الديواني أكثر مرونة وإبداعًا. لكن إجادة الثلث تعطي الخطاط مكانة مرموقة.

كيف تقرأ تطور مدارس الخط العربي بين الكلاسيكية والاتجاهات المعاصرة؟
الاتجاهات المعاصرة هي تقنية بحتة، الهواة يكتبون عند توافر الوقت، بينما المحترفون يعيشون الخط ويصبح جزءًا من كل حركة وسكنة.
ما أبرز الأعمال أو اللوحات التي تعتز بها في مسيرتك المهنية؟
أعتز بكل أعمالي، سواء كانت كتابة اسم طالب أو رسم لوحة في المترو، كل لوحة أشعر وكأنها جزء من قلبي، وكل عمل يمثل تجربة إنسانية مليئة بالحب والاهتمام.
ما نصيحتك للشباب الذين يرغبون احتراف الخط العربي وتحويله إلى مصدر دخل
النصيحة هي البدء بجدية، كثرة الكتابة، اقتناء أدوات الخط المناسبة، التحلي بالهمة العالية، والصبر والمثابرة المستمرة.
هل ترى أن الخط العربي اليوم يحظى بالتقدير الذي يليق بقيمته الحضارية؟ ولماذا؟
الخط العربي فن روحاني وهندسي في آن واحد، نشأ بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم مع كتابة القرآن الكريم.. يحتاج اهتمام الدولة والدعم الفعلي للشباب لضمان استمراره، لأنه جزء من حضارتنا وتاريخنا.
هل يمكن للخط العربي أن يكون مشروعًا اقتصاديًا ناجحًا للشباب؟ وما المجالات المتاحة لذلك؟
بالتأكيد، يمكن أن يكون مشروعًا اقتصاديًا ناجحًا إذا تم دمجه مع التسويق الذكي والتصميم الرقمي، مثل تصميم اللوحات، الكتب، الهدايا، الإعلانات، والزخارف المعمارية. يحتاج الأمر فقط للإصرار والتدريب.

لو طلب منك توجيه رسالة إلى صناع القرار الثقافي، ماذا ستطلب لدعم فن الخط العربي؟
أطلب دعمًا حقيقيًا ومتواصلًا للخط العربي، سواء في المدارس أو الجامعات أو عبر مسابقات وورش عمل. يجب أن يكون الاهتمام متناسبًا مع مكانة الحضارة المصرية، وأن يكون هناك استثمار حقيقي في هذا الفن التراثي والروحاني.
إلى أي مدى أثرت الوسائط الرقمية وبرامج التصميم على مكانة الخطاط التقليدي؟
الوسائط الرقمية كتقنية فقط تستخدم كمكمل، وليس لها علاقة بأسلوب الخط التقليدي. جمال اللوحة اليدوية لا يمكن مقارنته بأي برنامج.

ما الفروق الجوهرية بين تعليم الخط كهواية وتعليمه كمسار احترافي؟
في الاحتراف، يصبح الخط جزءًا من كل جوارح الفنان، كالماء والهواء، لا يستطيع تركه، ويصبح كل حركة وسكنة مرتبطة به.. هذا ما دفعني لفكرة كتابة أسماء الركاب في المترو، وأيضًا أثناء الصلاة، أكتب أسماء المصلين والأطفال في المسجد، لأن الخط صار جزءًا من حياتي اليومية.