تقرير لـ باستيت: إدارة إيران للتصعيد الإقليمي
يشهد الشرق الأوسط منذ 28 فبراير 2026 تحولاً نوعياً في طبيعة ومستوى التصعيد العسكري، عقب الهجوم الذي نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف داخل إيران، وما أعقبه من رد إيراني استهدف مواقع وقواعد عسكرية أمريكية وأهدافاً ذات أهمية استراتيجية في عدد من دول الخليج. يمثل هذا التطور نقطة انعطاف مهمة في مسار التفاعلات الإقليمية، إذ لم يعد الصراع مقتصراً على نطاق الردع التقليدي أو العمليات غير المباشرة، بل اتجه نحو نمط أكثر انكشافاً من المواجهة، بما يعكس تغيراً في قواعد الاشتباك التي حكمت العلاقة بين الأطراف المعنية خلال السنوات الماضية.
تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ضوء البنية الإقليمية لشبكة النفوذ الإيراني، التي تعتمد على منظومة من الفاعلين المسلحين من غير الدول، والذين يتمتعون بدرجات متفاوتة من الارتباط السياسي والعسكري والاستراتيجي بطهران. وقد شكّلت هذه الشبكة، أحد المرتكزات الأساسية للاستراتيجية الإيرانية في تحقيق الردع غير المباشر، وتوسيع نطاق تأثيرها الإقليمي، وإدارة الصراع مع خصومها عبر ساحات متعددة، بما يحد من احتمالات المواجهة المباشرة واسعة النطاق، و يتيح لها إعادة توزيع نقاط الضغط جغرافياً وتقليل عبء المواجهة المباشرة.
في السياق الراهن، يثير التصعيد العسكري الأخير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأدوار المحتملة لهذه الجماعات، وحدود انخراطها في الصراع، ومدى انعكاس ذلك على استقرار البيئة الأمنية الإقليمية. كما يطرح تساؤلات تتعلق بمستوى التنسيق العملياتي بينها وبين إيران، ومدى خضوع قراراتها العسكرية للاعتبارات الاستراتيجية الإيرانية، مقابل العوامل المحلية الخاصة بكل ساحة. وتبرز هذه التساؤلات في ظل سوابق متعددة أظهرت قدرة هذه الجماعات على لعب أدوار مهمة في سياقات التصعيد الإقليمي، سواء من خلال الانخراط المباشر في العمليات العسكرية، أو عبر ممارسة أنماط متنوعة من الضغط الأمني والسياسي.
في ضوء ما سبق، يهدف هذا التقرير إلى تحليل موقع ودور الجماعات المرتبطة بإيران ضمن إطار التصعيد الإقليمي الراهن، من خلال دراسة مواقفها المعلنة، وقدراتها العسكرية، والسياقات السياسية التي تحكم تحركاتها. ويركز التحليل على ثلاث ساحات رئيسية تمثل ركائز أساسية في شبكة النفوذ الإيراني، وهي العراق، واليمن، ولبنان، نظراً لما تتمتع به الفصائل الفاعلة في هذه الدول من قدرات عملياتية وتأثير مباشر على التوازنات الإقليمية. كما يسعى المقال إلى استشراف السيناريوهات المحتملة لمسارات التصعيد، وتقييم تداعياتها على مستقبل الاستقرار الإقليمي، وعلى طبيعة التوازن بين الردع والتصعيد في المرحلة المقبلة.
الاطار النظري:
لفهم طبيعة الدور الذي تلعبه الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في سياق التصعيد الإقليمي، من الضروري الاستناد إلى أدبيات الحروب بالوكالة واستراتيجيات الردع غير المتماثل ، والتي تشكل إطاراً تفسيرياً رئيسياً لسلوك الدول التي تسعى إلى موازنة خصوم متفوقين عسكرياً دون الانخراط في مواجهة مباشرة.
تشير الأدبيات إلى أن الحرب بالوكالة تمثل نمطاً من الصراع تعتمد فيه الدول على فاعلين مسلحين من غير الدول لتحقيق أهداف استراتيجية، مع الحفاظ على درجة من الإنكار أو تقليل كلفة المواجهة المباشرة. ووفقاً لتعريف دانيال بايمان فإن استخدام الوكلاء المسلحين يسمح للدول بتوسيع نطاق نفوذها، واستنزاف خصومها، وتشكيل البيئة الأمنية الإقليمية، مع تقليل المخاطر السياسية والعسكرية المرتبطة بالحرب التقليدية المباشرة (Byman، 2018)
في السياق ذاته، ترتبط هذه الاستراتيجية بمفهوم الردع غير المتماثل، الذي يشير إلى قدرة دولة ذات قدرات تقليدية محدودة نسبياً على ردع خصوم أقوى من خلال وسائل غير تقليدية، بما في ذلك استخدام الجماعات المسلحة، والصواريخ غير المتكافئة، والانتشار الجغرافي للتهديد. ويشير أندرو كريبينيفيتش إلى أن هذا النمط من الردع يهدف إلى تعقيد حسابات الخصم، ورفع كلفة المواجهة، وتقليل فعالية التفوق العسكري التقليدي (Krepinevich ، 2002)
تنطبق هذه المفاهيم بشكل واضح على الاستراتيجية الإيرانية منذ نهاية الحرب العراقية-الإيرانية (1980–1988)، حيث سعت طهران إلى تطوير نموذج أمني قائم على بناء شبكات من الفاعلين المسلحين الحلفاء في عدد من الدول، بما يتيح لها خلق عمق استراتيجي خارج حدودها. وتشير دراسات صادرة عن مؤسسة RAND إلى أن إيران اعتمدت بشكل منهجي على هذه الشبكات كجزء من عقيدتها الأمنية، بهدف ردع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعزيز قدرتها على التأثير في التوازنات الإقليمية دون الانخراط في مواجهة مباشرة واسعة النطاق (RAND، 2020)
كما تؤكد تقارير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) أن هذه الجماعات لا تمثل فقط أدوات عسكرية، بل أصبحت فاعلين أمنيين وسياسيين مؤثرين في بيئاتهم المحلية، بما يعزز من مرونة الاستراتيجية الإيرانية وقدرتها على التكيف مع مختلف أنماط التصعيد (IISS، 2023)
في ضوء الإطار النظري المتعلق بالحروب بالوكالة واستراتيجيات الردع غير المباشر، يمكن تفسير التطورات العسكرية التي بدأت في 28 فبراير 2026 باعتبارها تحولاً نسبياً في نمط السلوك الاستراتيجي الإيراني نتيجة الهجوم على ايران وأدي إلى الانخراط مباشرة فى العمليات العسكرية، ولم يقتصر الرد على العمليات العسكرية بل تم تفعيل أدوات الردع غير المباشر عبر الجماعات المسلحة الحليفة ودور الوكلاء. ويشير هذا التحول إلى أن إيران، رغم استمرار اعتمادها البنيوي على شبكة حلفائها الإقليميين، قد لجأت في المرحلة الحالية إلى توظيف قدراتها العسكرية الذاتية بشكل أكثر وضوحاً، في محاولة لإعادة ترسيخ معادلة الردع، والرد على استهداف أراضيها بشكل مباشر.
ولا يعني هذا التحول بالضرورة التخلي عن استراتيجية الحرب بالوكالة، بل يعكس نمطاً مركباً من الردع يجمع بين الأدوات المباشرة وغير المباشرة، حيث يسمح الانخراط المباشر بتوجيه رسائل ردع فورية وواضحة، بينما يتيح استمرار وجود الجماعات الحليفة إمكانية توسيع نطاق الضغط العسكري، وفتح جبهات متعددة، وفرض حالة من عدم اليقين الاستراتيجي على الخصوم. وتشير الأدبيات الأمنية إلى أن هذا النمط الهجين من الردع غالباً ما يظهر في مراحل التصعيد الحاد، عندما تسعى الدولة إلى تحقيق توازن بين استعادة مصداقية الردع، وتجنب التكاليف الكاملة للمواجهة الشاملة.
في هذا السياق، فإن الانخراط العسكري الإيراني المباشر لا يلغي أهمية دور الجماعات الحليفة، بل قد يشكل مرحلة أولية ضمن مسار تصعيد أوسع، حيث تظل هذه الجماعات تمثل احتياطياً استراتيجياً يمكن تفعيله تدريجياً، وفقاً لتطورات الصراع ومستوى التهديد. وبالتالي، فإن تحليل سلوك هذه الجماعات يظل عاملاً أساسياً لفهم الاتجاهات المحتملة للتصعيد، خاصة في ظل المؤشرات المتزايدة على احتمال توسع نطاق المواجهة إقليمياً.
واشير هنا إلى مصطلح آخر فى الادبيات الامنية والسياسية عن الجماعات المتربطة بايران وهو تحالف غير رسمي يضم مجموعة من التنظيمات المسلحة والقوى السياسية المتحالفة مع إيران، والتي تشترك في معارضة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، وتوفر هذه الشبكة لإيران عمقاً استراتيجياً خارج حدودهاتوفر هذه الشبكة لإيران عمقاً استراتيجياً خارج حدودها (مركز-الإمارات-للسياسات، 2026)، ويشمل المحور:
1- حزب الله في لبنان، الذي يُعد أحد أقدم وأقوى حلفاء إيران في المنطقة، ويتمتع بقدرات عسكرية متقدمة وخبرة قتالية واسعة، فضلاً عن دوره السياسي المؤثر داخل لبنان. (BBC، 2026)
2- جماعة الحوثيين (أنصار الله) في اليمن، التي طورت خلال السنوات الأخيرة قدرات صاروخية وطائرات مسيرة مكنتها من استهداف أهداف إقليمية، بما في ذلك منشآت حيوية وممرات بحرية استراتيجية. (العربية-نت، تحليل القدرات العسكرية للحوثيين وعلاقتهم بإيران، 2026)
3- فصائل الحشد الشعبي في العراق، والتي تضم عدداً من الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، وتلعب دوراً مهماً في البيئة الأمنية العراقية، وتمتلك القدرة على استهداف المصالح الأمريكية داخل العراق (سكاي-نيوز-عربية، 2026)
4- جماعات مسلحة أخرى مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، تعمل ضمن شبكة إقليمية أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ الإيراني وتوفير أدوات ردع إضافية في حال تصاعد المواجهة العسكرية (RAND، 2020)، بما يشمل فصائل مثل حركة النجباء وكتائب سيد الشهداء في العراق، إضافة إلى شبكات دعم لوجستي وعسكري في سوريا ، وفقاً لتقارير حكومية أمريكية ودراسات صادرة عن مراكز أبحاث دولية، توجد علاقات دعم وتنسيق بين بعض الفصائل العراقية وفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني (Washington-Institute، 2024)
تحول أنماط الردع: من الانخراط المباشر الردع متعدد - التعدد العملياتي
تشير تطورات أواخر فبراير وبداية مارس 2026 إلى أن الاستراتيجية الإيرانية لم تعد تعتمد حصرياً على نموذج الحرب بالوكالة بوصفه الأداة الرئيسية لإدارة الصراع، بل انتقلت إلى نمط أكثر تركيباً يمكن توصيفه بـ"الردع متعدد الساحات". ففي حين ظل الاعتماد على الجماعات الحليفة يمثل ركيزة بنيوية في العقيدة الأمنية الإيرانية، فإن الانخراط العسكري المباشر، بالتوازي مع تحريك الجبهات الإقليمية في العراق ولبنان واليمن، يعكس تحولاً نحو إدارة تصعيد متزامن عبر مستويات مختلفة من القوة.
ويعني ذلك أن أدوات الوكالة لم تُستبدل، بل أُعيد توظيفها ضمن إطار أوسع يجمع بين الرد المباشر وغير المباشر، بما يسمح لطهران بتوزيع الضغط جغرافياً، وتعقيد حسابات خصومها، وفرض معادلة ردع تدريجية دون الانزلاق الفوري إلى مواجهة شاملة. ومن ثم، فإن فهم التطورات الراهنة يتطلب النظر إلى الساحات الإقليمية بوصفها مكونات متداخلة ضمن استراتيجية واحدة متعددة الأبعاد.
اولاً: السياق العام للتصعيد الاقليمي
شهدت البيئة الأمنية في الشرق الأوسط تحولاً نوعياً في 28 فبراير 2026، عقب تنفيذ الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية واسعة النطاق استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت ذات طابع استراتيجي داخل إيران، في خطوة وُصفت بأنها تمثل أحد أكبر أنماط الانخراط العسكري المباشر ضد إيران منذ عقود. وقد شكّل هذا التطور تصعيداً غير مسبوق في مستوى المواجهة، نظراً لكونه تجاوز أنماط الاحتواء غير المباشر التي ميزت التفاعلات بين الطرفين خلال السنوات الماضية، وانتقل إلى مستوى الضربات العسكرية المباشرة داخل العمق الإيراني (الجزيرة، تغطيات التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة، 2026) (BBCعربي، 2026).
جاء الرد الإيراني سريعاً ومتعدد الأبعاد، حيث شمل إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت قواعد عسكرية أمريكية ومواقع ذات أهمية استراتيجية في عدد من دول الخليج، بالإضافة إلى أهداف مرتبطة بإسرائيل. ويعكس هذا الرد محاولة إيرانية لإعادة ترسيخ معادلة الردع، وإظهار القدرة على استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية في نطاق جغرافي واسع، بما يتجاوز حدود المواجهة الثنائية المباشرة (العربية، تداعيات الضربات العسكرية المتبادلة في المنطقة، 2026).
وقد عكست طبيعة الأهداف التي شملها الرد الإيراني توجهاً استراتيجياً نحو تعدد جبهات الصراع ليشمل البيئة الإقليمية المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي، بما يستهدف إعادة صياغة حسابات المخاطرة لدى واشنطن وتل أبيب، وتعزيز مصداقية الردع الإيراني في البيئة الإقليمية، وإيصال رسالة ردع مفادها أن القواعد العسكرية الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة يمثلون جزءاً من معادلة المواجهة. وتشير تحليلات استراتيجية إلى أن الضربات الإيرانية استهدفت بشكل متعمد دولاً حليفة للولايات المتحدة بهدف "تدويل ساحة المعركة" وفرض ضغوط إضافية على البنية الأمنية الإقليمية المرتبطة بالولايات المتحدة، بما يعزز القدرة الإيرانية على موازنة التفوق العسكري لخصومها (reuters، 2026).
كما أدت هذه التطورات إلى انتقال الصراع فعلياً من نطاق المواجهة الثنائية إلى مستوى التصعيد الإقليمي الأوسع، حيث امتدت الهجمات لتشمل منشآت حيوية ومراكز لوجستية ومناطق استراتيجية في عدد من دول الخليج، إضافة إلى تهديد خطوط الملاحة الدولية، ما يعكس اتجاهاً نحو توسيع مسرح العمليات العسكرية وفرض واقع أمني جديد في المنطقة (Reuters، Iran retaliatory strikes affect Gulf infrastructure and ports، 2026) وفي هذا السياق، تكتسب الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران أهمية متزايدة باعتبارها أحد العوامل الحاسمة التي قد تؤثر في مسار التصعيد، سواء من خلال الانخراط المباشر في العمليات العسكرية أو من خلال تعزيز قدرات الردع غير المباشر، بما يسهم في تعقيد البيئة الاستراتيجية الإقليمية وتوسيع نطاق المواجهة المحتملة ، وهو ما يجعل تحليل مواقفها وقدراتها عاملاً أساسياً لفهم الاتجاهات المحتملة للصراع، واحتمالات توسعه أو احتوائه خلال المرحلة المقبلة.
ثانياً: العراق كساحة محتملة للتصعيد
تشكل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في العراق أحد أهم مرتكزات شبكة النفوذ الإقليمي لطهران، وفي مقدمتها كتائب حزب الله، عصائب أهل الحق، حركة النجباء، ومنظمة بدر، إضافة إلى تشكيلات فاعلة ضمن هيئة الحشد الشعبي. وتمتلك هذه الفصائل قدرات عسكرية تشمل الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيّرة، فضلاً عن انتشار ميداني واسع، وعلاقات تنظيمية وعقائدية وثيقة بالحرس الثوري الإيراني (مركز-الجزيرة-للدراسات، مارس2026).
عقب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، انتقلت هذه الفصائل من مستوى الإدانة السياسية إلى الانخراط العملياتي المباشر، حيث تبنت هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت قواعد أمريكية داخل العراق، مع تهديد بتوسيع نطاق العمليات في حال استمرار التصعيد ضد إيران. ويعكس هذا التحول اندماج الساحة العراقية فعلياً في مسار المواجهة الإقليمية، وإن ظل ضمن مستوى محسوب حتى الآن (الجزيرة، تغطيات التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة، 2026).
في المقابل، تبنت الحكومة العراقية موقفاً حذراً، أدانت فيه الهجمات على إيران، لكنها شددت على رفض تحويل العراق إلى ساحة صراع مفتوح. ويعكس هذا الموقف توازناً معقداً بين الحفاظ على العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، واحتواء نفوذ الفصائل المسلحة، وتجنب زعزعة الاستقرار الداخلي (وكالة-الأنباء-العراقية، مارس2026).
تقدير موقف
تتجه التطورات في العراق نحو أحد ثلاثة مسارات:
1. تصعيد محدود ومسيطر عليه عبر استمرار الفصائل في تنفيذ هجمات محدودة ضد أهداف أمريكية بهدف الضغط وتعزيز الردع دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
2. تصعيد واسع في حال توسع المواجهة الإقليمية، توسع العمليات العسكرية وتحول العراق إلى ساحة مواجهة رئيسية في حال استمرار التصعيد ضد إيران.
3.احتواء نسبي إذا نجحت بغداد في ضبط إيقاع الفصائل بدعم إقليمي ودولي (International-Crisis-Group، March2026)
وبالنظر إلى طبيعة التوازنات الداخلية والإقليمية، يصبح سيناريو "التصعيد المحدود" هو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير، مع بقاء احتمالات الانزلاق قائمة في حال تصاعد المواجهة المباشرة ضد إيران.
ثالثاً: الساحة اللبنانية – حزب الله وتوسيع نطاق الاشتباك
يُعد حزب الله اللبناني الفاعل الأكثر تنظيماً وتسليحاً ضمن شبكة التحالفات المرتبطة بإيران، ولكن في ظل تصعيد 2026، يُرجح أن يظل دور حزب الله ضمن إطار الضغط المدروس وتوسيع هامش الردع، لا قيادة مواجهة شاملة، نظراً لمحدودية قدراته قياساً بالجيوش النظامية الكبرى، وارتفاع كلفة الانخراط في حرب مفتوحة، فضلاً عن حضوره السياسي المؤثر داخل لبنان. ومع اندلاع التصعيد في 28 فبراير 2026، أعلن الحزب دعمه الكامل لإيران، قبل أن ينتقل سريعاً إلى الانخراط الميداني عبر تنفيذ ضربات صاروخية وهجمات محدودة على أهداف إسرائيلية شمالي فلسطين المحتلة، في إطار ما وصفه بـ"الرد التضامني" (عربي، مارس2026)
ويشير هذا التحرك إلى انتقال الحزب من سياسة الاحتواء الحذر إلى توسيع نطاق الاشتباك، مع الحفاظ حتى الآن على مستوى محسوب من العمليات لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة مع إسرائيل. غير أن اتساع دائرة المواجهة الإقليمية يرفع من احتمالات تحول الجبهة اللبنانية إلى ساحة تصعيد أوسع، خاصة إذا تعرضت إيران لضربات إضافية أو توسعت العمليات ضد حلفائها (International-Crisis-Group، March2026)
وشهدت الجبهة اللبنانية منذ 2 مارس 2026 تصعيداً ملحوظاً عقب إطلاق حزب الله صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه شمال إسرائيل، في سياق الرد على التطورات الإقليمية المرتبطة بالتصعيد ضد إيران. الأمر الذي دفع إسرائيل إلى تنفيذ سلسلة من الضربات الجوية المكثفة استهدفت مواقع تابعة للحزب داخل الأراضي اللبنانية، شملت الضاحية الجنوبية لبيروت وعدداً من مناطق الجنوب والبقاع، مع إعلان الجيش الإسرائيلي استهداف مراكز قيادة ومستودعات أسلحة للحزب (العربية، الجيش الإسرائيلي: ضربنا 250 هدفاً لحزب الله بـ24 ساعة، 4مارس2026)
تقدير موقف
1- اشتباك محدود مضبوط الإيقاع: استمرار عمليات محسوبة دون فتح حرب شاملة.
2- توسع المواجهة شمالاً: انخراط أوسع قد يدفع إسرائيل إلى رد كبير داخل لبنان.
3- احتواء متبادل: عودة إلى قواعد الاشتباك السابقة إذا تراجعت حدة التصعيد الإقليمي.
4-صدام داخلي لبناني: خاصة بعد قرار الحكومة اللبنانية عملياً بتقييد دور حزب الله العسكري، قد يتصاعد التوتر السياسي والأمني داخلياً، بما يفضي إلى أزمة مؤسساتية أو احتكاكات محدودة، دون أن يصل بالضرورة إلى حرب أهلية شاملة، لكنه يضعف قدرة الدولة على إدارة تداعيات التصعيد الإقليمي.
رابعاً: الساحة اليمنية – الحوثيون والضغط عبر الممرات الاستراتيجية
تمثل جماعة الحوثيين (أنصار الله) أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني غير المباشر في شبه الجزيرة العربية، وقد طورت خلال السنوات الأخيرة قدرات صاروخية ومسيرات بعيدة المدى، إضافة إلى خبرة في استهداف الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وخليج عدن.
في أعقاب الضربات على إيران، أعلنت الجماعة تضامنها الكامل مع طهران، ولوّحت بإمكانية استهداف إسرائيل أو المصالح المرتبطة بها في حال استمرار التصعيد، كما هددت بتوسيع نطاق عملياتها ليشمل الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب (العربية-نت، الحوثيون يهددون بتوسيع العمليات في البحر الأحمر، مارس2026)
كما تعكس هذه التهديدات سعي الجماعة إلى إبقاء خيار الانخراط العسكري قائماً كورقة ردع سياسية وإعلامية، بما يسمح لها بالمساهمة في الضغط على إسرائيل وحلفائها ضمن معادلة التصعيد الإقليمي، دون الانتقال الفوري إلى تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق (الجزيرة، الحوثيون يلوحون باستهداف إسرائيل إذا اتسعت الحرب مع إيران، 3مارس2026)
وبناءً على ذلك، تُوظَّف الساحة اليمنية كأداة ضغط غير مباشر عبر التلويح بتهديد طرق التجارة والطاقة العالمية، بما يرفع الكلفة الاقتصادية للتصعيد العسكري ضد إيران، دون الانخراط في مواجهة تقليدية مباشرة.
تقدير موقف
1. تصعيد بحري محدود: استمرار استهداف رمزي أو محدود للملاحة.
2. توسيع نطاق العمليات: تهديد جدي للممرات البحرية، بما يستدعي تدخلاً دولياً أوسع.
3. احتواء مرحلي: تراجع نسبي في العمليات إذا تم احتواء التصعيد بين إيران وخصومها.
تظل الساحة اليمنية أداة ضغط مرنة في يد طهران، نظراً لقدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي دون استدراج مواجهة مباشرة واسعة النطاق
خامسا: السيناريوهات الشاملة في ضوء تطورات 2 مارس 2026
أظهرت الضربات الجديدة المتبادلة حتى كتابة هذا التقرير انتقال التصعيد إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث باتت الساحات العراقية واللبنانية واليمنية تتحرك بوتيرة شبه متزامنة، مع استمرار الضربات المتبادلة بين إسرائيل وحزب الله شمالاً، وتصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة على قواعد أمريكية في العراق، وتهديد الحوثيين بتوسيع نطاق استهداف الملاحة في البحر الأحمر (مركز-الجزيرة-للدراسات، مارس2026)
ويشير ذلك إلى أن الجماعات المرتبطة بإيران لم تعد في موقع الردع الرمزي، بل انتقلت إلى مرحلة الانخراط العملياتي الفعلي، مع الحفاظ حتى الآن على سقف تصعيدي محسوب. ويعكس هذا النمط ما يمكن وصفه بـ"التصعيد المنضبط متعدد الجبهات"، حيث تُستخدم هذه الجماعات كأدوات ضغط متزامنة لتضخيم كلفة القرار العسكري لخصوم ايران ، دون الوصول إلى مواجهة شاملة مباشرة.
في المقابل، يظل احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائماً، خاصة في حال استمرار الضربات ضد العمق الإيراني أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا في إحدى الجبهات. فتكثيف الضربات الإسرائيلية في لبنان، أو توسع الاستهداف الأمريكي داخل العراق، قد يدفع هذه الجماعات إلى توسيع عملياتها بشكل يتجاوز المستوى الحالي، ما يحول بعض الساحات إلى ميادين مواجهة مفتوحة. ومع ذلك، تشير المؤشرات حتى الآن إلى أن طهران وحلفاءها يسعون إلى تحقيق معادلة ردع تصاعدي تدريجي، تهدف إلى تثبيت خطوط اشتباك جديدة دون تجاوز عتبة الحرب الإقليمية الشاملة (International-Crisis-Group، March2026)
خاتمة
تُظهر التطورات حتى كتابة هذا التقرير أن إيران نجحت في نقل المواجهة من نطاقها الوطني إلى مستوى إقليمي متعدد الجبهات، دون أن تفقد السيطرة الكاملة على إيقاع التصعيد حتى الآن، حيث انتقلت المواجهة من نمط الردع غير المباشر إلى نموذج هجين يجمع بين الضربات المباشرة والانخراط العملياتي المتعدد للجماعات الحليفة لإيران. وقد أظهرت الساحات العراقية واللبنانية واليمنية أن هذه الجماعات المرتبطة بايران لم تعد مجرد شبكة دعم سياسي أو أداة ردع كامنة، بل أصبحت فاعلاً ميدانياً نشطاً في إدارة التصعيد، مع قدرة واضحة على توزيع الضغط جغرافياً وعملياتياً.
غير أن هذا الانخراط لا يعني بالضرورة السعي إلى حرب شاملة، بل يعكس محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك وفرض معادلة ردع جديدة ترفع كلفة استهداف إيران دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة واسعة النطاق. وتبقى المسارات المستقبلية رهناً بمدى اتساع الضربات المباشرة، وقدرة الأطراف المختلفة على ضبط إيقاع العمليات، فضلاً عن دور الحكومات المعنية _ خاصة في العراق ولبنان _ في منع تحول أراضيها إلى ساحات حرب ممتدة.
وعليه، يمكن القول إن المنطقة تقف أمام مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية، تتسم بسيولة عالية واحتمالات مفتوحة، حيث يتداخل الردع بالتصعيد، وتتحرك الفواعل غير الحكومية كجزء أساسي من معادلة القوة. وستتحدد مآلات هذا التصعيد بمدى نجاح الأطراف في إدارة الصراع ضمن حدود محسوبة، أو فشلها في منع انزلاقه إلى مواجهة إقليمية واسعة تتجاوز السيطرة التقليدية على مساراته.