تقرير لـ "باستيت": تداعيات الهجوم ضد إيران على أوروبا
شكَّل الهجوم الذي شنَّته كل من "أمريكا" و"إسرائيل" ضد "إيران" يوم 28 فبراير/شباط الماضي نقطة تحول مفصلية في البيئة الدولية المعاصرة، فسريعًا ما اتسعت رقعة الصراع لتشمل العديد من الدول العربية، التي وجدت نفسها بين ليلة وضحاها طرفًا في هذا الصراع، وكذلك "أوروبا" التي لم تسلم من الصواريخ الإيرانية التي وُجِّهت إلى قاعدة "أكروتيري" البريطانية الموجودة في قبرص - الطرف الجنوبي في الاتحاد الأوروبي - مما يضعنا أمام احتمالية انسياق القارة العجوز إلى هذه الحرب في لحظة ما.
بعيدًا عن سيناريو دخول القوى الأوروبية إلى ساحة المعركة، بات واضحًا أن تداعيات هذه الحرب سوف تطال القارة الأوروبية على عدة مستويات، سواء على الجانب الاقتصادي، المتمثل في "أمن الطاقة" الذي أصبح على المحك، والمصالح الأوروبية في المنطقة، أم التهديدات غير التقليدية المتمثلة في احتمالية تدفق موجات الهجرة نحو أوروبا، فضلًا عن العلاقات عبر الأطلسي، وهي اليوم محل اختبار.
أمن الطاقة الأوروبي
منذ بداية الحرب الروسية-الأوكرانية واجهت القارة الأوروبية أزمة حقيقية في مجال أمن الطاقة، وقد حاولت خلال الأربع سنوات الماضية تنويع مصادر إمدادات الغاز الطبيعي والبترول كي تتخلص من القبضة الروسية. وفي هذا الإطار، لجأت إلى مصادر الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، من دول مثل "قطر"، ثاني أكبر مورد للطاقة في "أوروبا"، وكذلك "السعودية" و"الإمارات": الموردان الرئيسيان للنفط الخام والمشتقات البترولية من "ديزل" و"بنزين". بالرغم من ذلك، بدأت "أوروبا" عام 2026 ولديها مخزونات منخفضة من الغاز الطبيعي، تُقدر بحوالي 46 مليار متر مكعب.
مع بداية الحرب، عطَّلت "إيران" الملاحة بشكل جزئي في "مضيق هرمز"، قبل أن تغلقه بشكل كامل بعد يومين. هذا الممر يمثل شريانًا رئيسيًا للطاقة، حيث يعبر من خلاله 20% من النفط العالمي، وكذلك الغاز المسال القطري. وتكمن المعضلة في أن هذا المسار لا يعرف العالم له بدائل، إذ إن الخطوط التي تلتف حول المضيق مثل خطوط الأنابيب عبر "السعودية" أو "الإمارات" لا يمكنها استيعاب سوى جزء بسيط من هذه الكميات، مما يجعل العالم يعتمد على "مضيق هرمز" بشكل شبه مطلق. (1)
من جهة أخرى، وجدت منشآت الطاقة في المنطقة نفسها في مرمى النيران، فكانت "قطر" من أكثر الدول المتأثرة في هذا الإطار، حيث أعلنت شركة "قطر للطاقة" وقف الإنتاج والعمليات في 14 خطًا لإنتاج الغاز المسال، كإجراء احترازي، وذلك في أعقاب تعرض إحدى منشآتها الواقعة في مدينة "رأس لفان" الصناعية لهجوم بالمسيرات الإيرانية. كذلك "السعودية" و"الإمارات" و"إقليم كردستان العراق" واجهت هجمات مشابهة، فضلًا عن ورود أنباء عن انفجارات في "جزيرة خارق" الإيرانية التي تُصدِّر 90% من نفط "إيران" نتيجة ضربات أمريكية وإسرائيلية في بداية النزاع.
كل هذه العوامل أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة، حيث ارتفعت أسعار الغاز بنسبة 50%، أما أسعار النفط فقد قفز "خام برنت" بنسبة 13% في الساعات الأولى من تداولات يوم الإثنين 2 مارس/آذار الجاري، لتصل إلى ذروتها عند 82.37 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى وصل إليه على مدى 14 شهرًا.
لعل ما يقلل من حدة هذا الارتفاع حاليًا موافقة منظمة "أوبك بلس" على زيادة الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يوميًا، من أجل تهدئة الأسواق، كذلك امتلاك دول "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" (OECD) احتياطيات تكفي لنحو 90 يومًا، مما وفَّر "وسادة أمان" مؤقتة للمتداولين.
لكن المحللين يشيرون إلى أنه في حال استمر إغلاق "مضيق هرمز" لأكثر من أسبوع، فإن أسعار النفط ستتجاوز الـ100 دولار للبرميل، ومن الممكن أن تصل إلى أكثر من 120 دولارًا. (2)
في هذا السياق، حذَّر بنك "جولدمان ساكس" من أنه في حال استمر النزاع وإغلاق "مضيق هرمز" لفترة طويلة، فإن أسعار الغاز في "أوروبا" قد تقفز بنسبة 130%، مما قد يدخل القارة في حالة ركود اقتصادي نتيجة تأثر القطاع الصناعي الأوروبي. كما أن التقديرات تشير إلى أن معدل التضخم في "منطقة اليورو" من الممكن أن يرتفع بمقدار 0.5% نتيجة هذه الحرب. (3)
استهداف القواعد والمصالح الأوروبية
في يوم 2 مارس/آذار الجاري، تم استهداف قاعدة "أكروتيري الجوية" التابعة لبريطانيا، والواقعة في "قبرص"، بواسطة طائرات مُسيَّرة، في أغلب الظن انطلقت من "لبنان". ليخرج المتحدث الرسمي باسم الحكومة القبرصية، "كونستانتينوس ليتيمبيوتيس"، ليؤكد أن السلطات القبرصية تابعت الوضع عن كثب، وفعَّلت البروتوكولات الأمنية على الفور، مشددًا على أن "جمهورية قبرص" نفسها ليست المستهدفة من الهجوم. (4)
ربما تكون "إيران" أرادت إيصال رسالة مبطنة من وراء هذا الهجوم للعواصم الأوروبية، مضمونها أن ثمن التحالف مع الولايات المتحدة هو الدمار.
بخلاف قاعدة "أكروتيري"، تملك "بريطانيا" العديد من القواعد العسكرية الأخرى في منطقة "الخليج". صحيح أنها لا تملك السيادة المطلقة عليها، شأنها شأن القاعدة السابق ذكرها في قبرص، لكنها مواقع تحظى بوجود ملحوظ للقوات البريطانية، مثل قاعدة "المنهاد" في "الإمارات"، وقاعدة بحرية في "ميناء سلمان" بالبحرين. كذلك تملك "فرنسا" قواعد عسكرية ومراكز دعم لوجستي في "قطر" و"الإمارات"، كانت قريبة من مراكز الطاقة التي تم استهدافها سواء "في رأس لفان" أم "مصفح".
هذا بخلاف باقي الدول الأوروبية مثل "ألمانيا" و"إيطاليا" التي لديها هي الأخرى مصالح في المنطقة، يمكن أن تتضرر بفعل الحرب. هذه المصالح ستكون أهدافًا لصواريخ "طهران" في حال اختارت "أوروبا" الانضمام إلى حليفها الأمريكي.
مواطنو "أوروبا" تحت القصف
بعيدًا عن المصالح العسكرية والاقتصادية، فإن الأيام الأولى من الحرب أثبتت أن المدنيين ليسوا بعيدين عن ويلات هذه الحرب، حيث سجلت دول الخليج وقوع ضحايا من المدنيين تحت تأثير الشظايا الناتجة عن اعتراض الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
في هذا السياق، فإن دول "أوروبا" لديها من الرعايا المقيمين في المنطقة ما يُقدر بالملايين. فوفقًا "لهيئة الإذاعة البريطانية" "بي بي سي"، فإن عدد المواطنين المقيمين في الخليج قرابة 300 ألف مواطن، و"فرنسا" هي الأخرى لديها مواطنون يُقدرون بحوالي 400 ألف. كما أن عددًا كبيرًا من الرعايا الأوروبيين هم من العاملين في منشآت الطاقة الخليجية، مما يجعلهم تحت خطر النيران. وتكمن المشكلة الأكبر في هذا الإطار في صعوبة إجلاء هؤلاء الرعايا نتيجة الشلل شبه الكامل الذي أصاب حركة الطيران في المنطقة، فخلال الثلاثة أيام الأولى من الحرب تم إلغاء أكثر من 3400 رحلة طيران، وعلَّقت شركات طيران كبرى مثل "لوفت هانزا" الألمانية و"خطوط الطيران البريطانية" رحلاتها إلى المنطقة، إضافة إلى أن بعض المطارات تعرَّض للقصف بشكل جزئي. (5)
بجانب ذلك، فإن هذا العدد الضخم من المدنيين الأوروبيين يتجاوز استيعاب أي جسر جوي تقليدي، حيث يتطلب الأمر أشهرًا في الظروف العادية، فكيف تكون الحال تحت القصف؟
في هذا السياق، لم تجد السفارات الأوروبية في مقدورها إلا أن تطلب من مواطنيها الاحتماء في المنازل، لعدم القدرة على إجلائهم، مما يخلق شعورًا بالخذلان لديهم يمكن أن يولِّد ضغطًا شعبيًا، يجبر الحكومات على اتخاذ قرارات متخبطة أحيانًا، أو الدخول في صدامات دبلوماسية مع "إسرائيل" و"الولايات المتحدة" للمطالبة بـ "هدنة إنسانية" فقط للسماح بخروج الرعايا.
هل يتكرر سيناريو 2015؟
كعادتها في حروبها، لا تحيد "إسرائيل" عن استهداف المدنيين دون أن تولي اهتمامًا لما يُعرف "بالقانون الدولي الإنساني". لم تستغرق "تل أبيب" وقتًا طويلًا هذه المرة حتى تؤكد للعالم صحة هذه الصورة القبيحة. ففي اليوم الأول من الحرب، استهدف الطيران الإسرائيلي "مدرسة شجرة طيبة للفتيات"، مما أسفر عن مقتل 165 طفلة. وتكرر الأمر عدة مرات، أبرزها كان قصف حي "سهروردي" السكني في "طهران"، الذي راح ضحيته مئات الأبرياء، فضلًا عن استهداف البنية الأساسية من محطات صرف صحي ومياه للشرب.
هذه الأحداث يمكن أن تؤدي في البداية إلى موجة نزوح من الحضر إلى الريف هربًا من دائرة الخطر، ثم يتطور الأمر بعد ذلك إلى موجات من اللجوء إلى دول مثل "تركيا" و"اليونان" على غرار ما حدث في 2015 حين تدفق اللاجئون من "سوريا" إلى الشواطئ الأوروبية. لكن هذه المرة يمكن أن يكون الوضع أكثر ظلامًا؛ نظرًا لما تملكه "إيران" من كتلة سكانية تتجاوز الـ93 مليون نسمة، أي ما يقارب أربعة أضعاف سكان "سوريا".
ما يزيد الأمر سوءًا هو دخول "حزب الله" اللبناني على خط المواجهة، وانضمام الميليشيات الشيعية في "العراق" إلى خطوط المواجهات. وبالتالي، قد تجد "أوروبا" نفسها أمام موجات لجوء متعددة الجبهات، مما يجعل احتواء هذه الأزمة أمرًا معقدًا.
وقد يفتح الباب أمام سيناريوهات عديدة شبيهة بما حدث في 2015، بدءًا من انتهاز "اليمين الشعبوي" في "أوروبا" - الذي يتغذى على مثل هذه الأزمات - الفرصة لتوسيع قاعدته الشعبية، مما يولِّد ضغطًا على الحكومات الوسطية.
كذلك يمكن أن نرى نشوب احتقان بين دول "شرق أوروبا" التي ستكون المستقبل الأول لهذه الموجات، ودول "الغرب" التي ستكون الوجهة المفضلة لهؤلاء اللاجئين. بخلاف ذلك، يمكن "لتركيا" أن تعيد استخدام هذه الورقة من أجل مساومة "بروكسل"، مما يجعل "الاتحاد الأوروبي" رهينة ابتزازات تركية.
يمكن القول إن هذا السيناريو مرهون بالفترة الزمنية لهذه الحرب: هل نحن أمام عمليات محدودة أم حرب طويلة الأمد؟ وكذلك حجم الدمار الذي سينجم عن تلك الحرب.
ختامًا
يتضح أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد صراعًا إقليميًا محدودًا يمكن احتواؤه داخل جغرافيا الشرق الأوسط، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الاتحاد الأوروبي على حماية مصالحه الحيوية في بيئة دولية شديدة الاضطراب.
بين تهديدات أمن الطاقة، واحتمالات استهداف القواعد والمصالح الأوروبية، ومخاطر تعريض الرعايا الأوروبيين للخطر، وصولًا إلى سيناريوهات اللجوء واسعة النطاق، تبدو القارة أمام حزمة معقدة من التحديات المتداخلة التي لا يمكن التعامل معها بأدوات تقليدية أو بردود أفعال آنية.
إن استمرار إغلاق مضيق هرمز، أو اتساع رقعة الاستهداف ليشمل مزيدًا من المصالح الغربية، قد يدفع أوروبا إلى إعادة تعريف أولوياتها الاستراتيجية، سواء فيما يتعلق باستقلال قرارها الأمني، أم بإعادة صياغة علاقاتها عبر الأطلسي.
في المقابل، فإن انزلاقها غير المحسوب إلى ساحة المواجهة قد يضاعف من كلفة الحرب داخليًا على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وعليه، فإن مستقبل الدور الأوروبي سيتحدد بقدرته على الموازنة بين التضامن مع حلفائه والحفاظ على استقراره الداخلي، وتجنب التحول من متأثر بالحرب إلى طرف مباشر فيها.