فاطمة ناعوت: رمضان في مصر نسمة تفتح القلوب على الإنسانية والتآخي|خاص
تقول الكاتبة والشاعرة فاطمة ناعوت، إن شهر رمضان يمثل لها نسمةً حانية وسط هجير الحياة القائظ، مؤكدة أنه في مصر ليس مجرد صفحة في التقويم، بل لحظة صفاء جماعي وتآخ وإيثار، يخفُّ فيها ضجيج الذات ويعلو صوت المعنى، حتى يبدو وكأنه شهر يدخل الناس من بوابة القلب قبل أي باب آخر.
شهر رمضان والذكريات الأولى
وأضافت في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، أن المدينة في رمضان تستعيد ملامحها القديمة التي تحاول الحداثة إخفاءها تحت وطأة التسارع والاستهلاك، لكن الأمكنة في هذا الشهر تأبى إلا أن تستحضر ذكرياتها الأولى، فالشوارع تتزيّن بأيدي الأطفال، بفوانيس وشرائط وأعلام صغيرة يعلقونها بمحبة فطرية لا تعرف تمييزًا بين مسلم ومسيحي، في مشهد تُجسّد فيه الطفولة صورتها الأنقى البعيدة عن الكراهية.
موائد المحبة
وتشير إلى أن “موائد المحبة” التي تُنصب تحت تلك الزينة ليست بدافع المجاملة أو استعراض التسامح، بل تعبيرًا صادقًا عن المشاركة، مسيحيون يقيمون موائد لإفطار أصدقائهم المسلمين، ومسلمون يشاركون أصدقاءهم المسيحيين، في رسالة إنسانية تؤكد أن التشارك في الطعام لغة أقدم من كل اللغات، لغة تُقرّ بالأخوة الإنسانية ووحدة الأصل والمصير، حيث يتقدّم الإنسان وتتراجع الأسئلة الكبرى.
وتتابع أن لحظة الغروب في رمضان تحمل خصوصية لا تشبه سواها؛ فعندما تميل الشمس بلونها الذهبي، يهدأ الشارع كأنه يتهيأ لإصغاء سرّ مقدس، ثم يرتفع أذان المغرب، لا ليعلن موعد الإفطار فحسب، بل ليغمر المدينة بنداء الرجاء، بالإضافة صوت الشيخ محمد رفعت، الذي ترى أنه يُسمَع بالقلب قبل الأذن، جامعًا الناس في دائرة طمأنينة واحدة.
الطقوس الرمضانية
وتوضح أن التواشيح تمثل لحظة يلتقي فيها الذكر بالفن، مستدعية صوت الشيخ سيد النقشبندي وهو ينشدو بـ"مولاي إني ببابك قد بسطت يدي" على ألحان الموسيقار بليغ حمدي، ذلك المزيج المصري الفريد الذي جعل الابتهال رسالة رحمة وسلام تحلّق فوق الجميع دون تمييز.
وتؤكد أن مشهد الشباب الذين يقفون قبل الأذان حاملين تمرًا وماءً وابتسامات للمارة، دون سؤال عن دين أو هوية، يلخص روح الشهر، وبعضهم مسيحيون أوفدتهم الكنائس لمشاركة إخوتهم المسلمين لحظة الإفطار، في صورة ترى أنها أبلغ من أي خطاب عن التعايش.
رمضان في الصورة المصرية العميقة
وتختتم ناعوت حديثها لـ"إيجبتك" بأن رمضان في صورته المصرية العميقة ليس موسم مزايدات ولا استعراضًا للفضيلة، فالإيمان علاقة خاصة بين الإنسان وربه، لكنه فرصة هادئة لاستعادة إنسانيتنا الأولى، مشيرة أن أجمل ما فيه أنه لا يطالبنا بأن نكون ملائكة، بل أن نكون أقل قسوة وأكثر رحمة واتساعًا للقلب.